المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لأجل الحقيقة قصة رذاذ عبدالله



رذاذ عبدالله
18 - 3 - 2010, 09:02 PM
لأجــل الحقيقــة
قصة قصيرة
رذاذ عبــدالله
* نشرت في الأزمنــة العربيــة







متوجهاً من البصرة إلى بغداد لتغطية أحداث التفجيرات وغيرها من التقارير والمواضيع التي أعد لها مسبقاً عن الأحوال في بغداد والوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمني، وغيرها من ملفات أخرى.


"عزيز" شاب في الثامنة والعشرين من العمر، يعمل مراسلاً صحافياً لإحدى الفضائيات العربية. يعشق عمله، وينهض فجراً للصلاة والاستعداد ليومه الحافل بالأحداث. لا يعرف ما الذي ينتظره على أرض بغداد المليئة بالدماء والتفجيرات والجنود الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى. يعد تقريراً لإجراء مقابلات صحفية مع بعض السكان المحليين ليسألهم عن الوضع الراهن وغياب الأمن.


يبدأ صباحه متجهاً لمقهىً قريبٍ من الفندق الذي يقيم فيه، لأنه يحب الأماكن المفتوحة، ولا يحب المطاعم الداخلية المخنوقة في الفنادق. يحتسي قهوته المُرّة على أسطوانةٍ لناظم الغزالي: "يا أم العيون السود ما جوزن أنا... خدك القيمر أنا اتريق منه..."، ومقطع جميل آخر يسرح به عزيز في شوارع بغداد وأهل بغداد مكحلاً عينيه بالصباح الحيوي الجميل على صوت ناظم: "لو تحب خادم خادمها أنا... ولعوف الدولة وعوف السلطنة...".


عزيز: ألو... يا الله يا أمجد! أنتظرك عند المقهى. اليوم عندنا تصوير وتقريران.
يحمل عزيز أوراقه ونظارته وحقيبته منتظراً زميله أمجد في نفس المحطة. يحضر أمجد مبتسماً وهو يعلك علكة، حاملاً كاميرته وأدوات التصوير.


أمجد: اليوم الجو حار شوي.
عزيز: حرّ ولا برد... بدك تصور اليوم!.


اتجها إلى الشارع وعبرا الرصيف مرواً بقرب المحلات والأسواق التجارية البغدادية المفتوحة. كانت بداية التقرير تستوجب من عزيز الوقوف والتقديم لموضوع التقرير. اختار عزيز زاوية بين المنازل البغدادية التي أفحمتها سنين الحرب.


يبدأ عزيز: هنا، بين الأحياء والمساكن العراقية في بغداد، نرى آثار دمار الحرب التي طالت كل شبر من هذا الوطن الكبير. نرى همّ العراقيين ونستشف منهم الحال في ظل الأجواء العابثة، والتفجيرات اليومية التي تحدث في أية لحظة.


نعيش الهم نفسه، ونتذوق المرارة يومياً، ونرتشح الدماء التي تغطي كل مكان. هذه كانت بعض الردود، فإليكم التقرير التالي:
فجأة يدوي صوت انفجار في الشارع المقابل.


عزيز: أمجد! روح صور بسرعة! إلحقني بسرعة!.


يصور أمجد السيارات المفخخة والمحترقة، والجثث والأشلاء والدماء السابحة على شوارع بغداد، وصراخ النساء، وأصوات الرجال العالية. السيارة السوداء كانت مفخخة، استهدفت أبرياء مرّوا من هنا.


عزيز: يا للهول!... يا للكارثة!... ماذا لو كنا في ذلك الشارع المقابل؟.


يصور أمجد الحدث وألسنة الحريق تمتد للأعلى. يتجمع بعض من الصحافيين العرب والأجانب لتغطية الحدث.


أمجد: الله ستر. انكتب لنا عمر جديد. (يحضن عزيز).


عزيز: كنا في صدد إنهاء تقرير، وطلع لنا تقرير جديد.


يذهب عزيز وأمجد بعد يوم شاق إلى الفندق الذي يقيمان فيه. يرتاحان، ثم يذهبان للغذاء في كافيتريا الفندق، ثم يفترقان، حيث يذهب أمجد إلى أخذ قيلولة، وعزيز إلى المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، ليلتقيا عصراً.


يحب كثيراً هذا المقهى الذي يسحره ويجعله يسترخي، خاصة مع صوت ناظم الغزالي الذي يطربه بأغنية "ميحانا": "ميحانا... ميحانا... وغابت شمسنا الحلو ما جانا... حيت... حيت بابا حيت... ألف رحمه على بايك... هذوله اللي عذبوني... هذوله اللي مرمروني... وعلى جسر المسيب سيبوني..."، متذكراً صوت الانفجار الذي هز الشارع المقابل، وكأنه زلزال هز الأرض، يزعزع القلوب ويفزعها. كيف للعراقيين العيش في هذه الوتيرة؟.


تكاد عيناه تتفجران حزناً لبغداد وأهالي العراق كافة.


أكاد أموت غيظاً من وراء كل هذا. متى سيستتب الأمن ويتذوق العراقيون طعم الراحة؟.


فجأة يسمع صراخ نساء يشيّعن جنازة ضحايا الانفجار الذي وقع صباحاً...


مأساة. يعيشون في مأساة. لماذا يتربص الحزن في كل زاوية؟ أين الأمن الذي تحدثوا عنه؟ العراق ضحية السياسة. أفتخر بأن أكون شهيداً في أرضها، بين قامات النخل الباسقة، مخضباً بدمائي، مودعاً أهلي وأحبابي، مودعاً شاشة التلفزة والتقارير الإخبارية. حلم الشهادة يراودني، وأتمنى أن أنال الشرف في الحصول عليها، هنا في بغداد بالذات.


يرن هاتف عزيز فجأة ليقطع حبل أفكاره وهواجسه. مكالمة خارجية وانقطعت. صباحات بغداد وظهيرتها حلوة. كل الأوقات البغدادية هنا جميلة. عاد عزيز إلى الفندق ليأخذ قيلولة قبل العصر.


الثالثة والنصف بتوقيت بغداد. يهز الفندق انفجار ضخم، وتهرع سيارات الإطفاء لإطفاء الحريق الضخم، وسيارات الإسعاف للنجدة. كان من بين الضحايا أمجد. أما عزيز فكانت إصاباته خطيرة، ونُقِل بالإسعاف. بلغ عدد القتلى 54 شخصاً بين رجال ونساء وثلاثة أطفال. والجرحى كثر، والإصابات كثر.


لم يكن عزيز يعلم بأن الفندق سيكون هدفاً للتفجيرات التي تحدث في الشوارع، ولم يعلم بمصير رفيقه وزميل مهنته أمجد، فإصابته وحالته لم تسعفاه للاستيقاظ والتكلم، فكان ضحية لإظهار معاناة العراقيين، ضحى بروحه لأجل بغداد التي عشقها، ومقاهي بغداد الجميلة، وناسها الطيبين، وصوت ناظم الغزالي...


رحل عزيز بعد ساعتين من إدخاله إلى المستشفى متأثراً بإصاباته الخطيرة. رحل مودعاً بغداد وشوارع بغداد، منهياً بذلك أيامه الجميلة البغدادية. هو وصديقه أمجد رحلا لأجل إظهار الحقيقة، ولأجل نصرة الشعب العراقي المقهور. رحلا تاركين وراءيهما كاميرا التصوير، وتقاريرهما الإخبارية، والشعب العراقي الصابر على مصاب الحروب والتفجيرات.

%غمـــازة%
18 - 3 - 2010, 10:20 PM
تأثــرت كتيرا" بطرحك غاليتــــي " رذاذ"



موفقة بإذن الله ... لكي مني أجمل تحية .

رذاذ عبدالله
19 - 3 - 2010, 04:20 PM
شاكرة إطلالتكــ الادبيــة،،
دمت برقي،،،