المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زَهرُ الشرفات لرفعة يونس لوحات لطقوس الفصول وأغاني الشهداء



رذاذ عبدالله
1 - 4 - 2010, 12:14 PM
زَهرُ الشرفات لرفعة يونس لوحات لطقوس الفصول وأغاني الشهداء


الدستــور الأردنيــة


http://www.addustour.com/NewsImages/2010/03/897_223194.jpg


إياد ع• نصار في ديوانها الثاني زهرُ الشرفات الذي أصدرته دار أزمنة في العام 8002، تفتتح رفعة يونس المشهد الشعري على شرفة حزينة تطل على ذكرى مجزرة قانا وتختتمه على مشهد من سجن ما• وما بينهما تغلب على الديوان روح شعرية وطنية في أغلب قصائده الخمس والعشرين• وتروي قصائده الملونة بألوان الأرض حكايات الحنين ومواويل العشق وآهات الألم والدم التي تبحث عن وطن هارب في الغياب، بينما يقتات المنتظرون أحزانهم ويشربون دموعهم تحت نجوم ليل يعذبهم، وفوق حقول نهار قد مات• تقارب الشاعرة قصيدها كفنان تشكيلي يرسم معالم اللوحة باحتراف تدريجياً• ولهذا، تجيء معظم قصائدها كلوحات ترسم مشاهد لطقوس الفصول ولكنها تكتمل وتتكامل عبر مقاطع القصيدة التي تستمد ألوانها وخطوطها وتشكيلاتها ومعانيها من معالم الأرض والبحر والقمر والشمس والرياح، ومن أصوات الطبيعة ومواسمها• وتوظف القصائد ـ في بعض الأحيان ـ لغة حوارية، ولكنها أقرب للمناجاة مع النفس• وحتى عندما توجه الخطاب للآخر، فهي ليست أكثر من بثّ شكوى أو تقديم اعتراف•



ويمكن بكثير من اليقين القول إن الديوان تنظمه ثلاثة معالم تحدد هويته الشعرية: أولها روح الشهيد الحاضرة دائماً بطولةً وعشقاً للوطن ومعاناةً في سبيله في وجدان وخيال المعذبين الذين ينتظرون المصير بقليل من الأمل وكثير من القلق• وتصبغ هذه الروح معظم مضامين القصائد• وثانيها معجم مفردات يصبغ لغة الديوان من قاموس الأرض وأزهارها وعطورها ونداها وعوسجها وعصافيرها وأمواج بحرها ونوارسها، ما يضفي عليه سمة رومانتيكية ممتزجة بالقضايا الوطنية الكبرى• وثالثها حنين متأصل متوطن بعمق التاريخ للمكان الذي يأسرنا بتفاصيله وحكاياته وشرفاته ورفوف حمامه وذكرياته التي لم تزل تملأ الصدور، حنين يتنقل بنا بين دمشق وبردى وبغداد والجليل وحيفا ويافا وعيبال وعمان فيشعل فينا نار الحيرة والانتظار في ظل خراب الأمكنة واحتضار المدن المنسية• تبدو الشاعرة مسكونة بهمّ الوطن وصور الشهيد التي تتكرر في عدد من قصائدها• ولكن قصائد الشهادة تبتعد عن المشهد البكائي الرثائي التقليدي، وتهجر لغة الندب والنحيب والافتخار بالبطل، إذ تسيطر على المجموعة لغة ذاتية رومانسية مثقلة بصور الطبيعة ومفرداتها، وهي ملأى بالصفصاف والدحنون والبنفسج والأقحوان والعبير والعبق وبخور الأرض والعشب، حتى لتكاد تشم العطر خارجاً من القصيدة، وترى العالم في شرفات من طراز بيوتنا في المدن القديمة كدمشق• ويصبح الشهيد عبير الأرض ومواويلها وأهداب السنابل في الجليل• وفي غمرة أحزاننا وانكسارنا يأتي إلينا باقات نجوم وأقماراً ليطهرنا ويحيل حاضرنا المتعب إلى أسطورة فرح• في قصيدة من أنتَ؟ تحتفي رفعة يونس بإيحاءات جميلة بالشهداء ونبلهم وتضحيتهم فهم بذور الحلم الجميل وسر الخميرة في الخبز، وهم تعويذة الحب التي تصنع الحاضر والمستقبل• وتبقى الأسئلة تدور: منْ أنتَ؟ وتبقى الإجابات تقول ضمناً الشهيد• وفي خيط الدم تعود صور الضحايا الأبرياء الذين اغتالتهم يد سوداء في عمان في تلك الليلة الدامية من العام 5002• وفي قصيدة لوحات تهدي رفعة يونس كلماتها إلى شهيدات الأرض: آية الأخرس، ووفاء إدريس، ودارين•



تقدم القصيدة مشاهد للبراءة التي اغتالها الرصاص• في تلك الليلة اعتلى القمر صهوة السماء ولم يجد أجمل من أجساد الشهيدات رداءً•


وفي قصيدة من وحي الألوان: في الأحمر توظف القصيدة الأسطورة ودلالات اللون الأحمر وهي ترسم صوراً شتى في مقاطع منفصلة من المشهد الفلسطيني، وتشكل هذه المقاطع لوحة يصبح فيها دم الشهيد غزالات في الأفق ترسم معالم الطريق إلى الوطن، وخيولاً تطل على كل سفح وسهل مثل طائر الفينيق الذي يبعث حياة في رماد الضمائر•



في الأحمرِ

جسرُ حدائقَ يحمِلُنا

كرزٌ في الشِّفاه

وعرسُ بلابل••• الحانُ الأرجوانِ

تكلَّل في فجرِنا

••••••

في الأحمرِ

زهرُ حريرٍ في ثوبِ أمي

تشرقُ أنجمُهُ •••في كلِّ مساءٍ

دحنوناً حينَ تزهو بهِ



تنقّب القصائد في مفرادت الأرض ومكوناتها؛ فلا تترك شجرة أو زهرة أو بحراً أو تلة أو غزالات أو حساسين أو بنفسجاً ولا توردهم، وتحلق في السماء فلا تترك فيها نجمة أو شمساً أو قمراً أو طائراً وهي تحتفي بطقوس الفصول ما بين أمل بالحياة يجسده الربيع فيصبح رمز الانبعاث من بعد موات، ورمز النصرِ من بعد انكسار• وبين عواصف وليل ورياح وشتاء قاسٍ تشي بالموت البارد في ليل التشرد والمخيم وأنات المعذبين•



ومن القصائد ذات النكهة المميزة التي توظف طقوس الفصول وأسلوب تشكيلات معالم اللوحة وألوانها قصيدة مناجاة التي تستخدم هذه التقنيات في محاولة للولوج الى عوالم محمود درويش•



وبرغم صور الجمال والسناء والإشراق وتفتح الزهر المنتشي بالعطر على دروب الحياة التي تملأ ثنايا الديوان حتى لتشعر للوهلة الأولى أنه مغرق في الرومانسية الذاتية، إلا أنك سرعان ما تكتشف وهمَ تصوراتك، فالقصائد تحاكي طقوس الفصول على شكل تأملات تقرأ واقع المرحلة حيث يصبح الإنسان وقوداً في أتون الحقد وقرابين الموت• وتسترجع القصائد تواريخ القهر والموت في فلسطين ولبنان والعراق، وتمعن القصائد في رسم صور السواد والسكون والقبور والحزن•

إلا أنت وحدَك•• قيثارة للرّبيعِ

نشيدُ المواسمِ

رحمُ الحقولِ

واسعُ النبيذِ وسرُّ الخميرةِ

مهرُ الغريزة•• شحذُ الخطوةِ في دربِنا

إلا أنت وحدكَ في صحراء الوهم تسيرُ

فقد خاصمَتكَ النجومُ وخانَتكَ كلُ سماءٍ

عَلَت فوقَنا

لا شيء سوى

ذرٍّ للرملِ




جنونٍ للعوسج الغافي•• في العينينِ• يبرز الصوت الأنثوي في القصائد بشكل واضح، فالحديث عن الذات الأنثى في هذيانها وتساؤلاتها واعترافاتها وأغانيها وبوحها الشفيف تبرز نبراته في صور وأشكال شتى• فالتساؤلات المفترضة على لسان المرأة التي تتخيل أن الآخر يسائلها، وأسلوب مخاطبة المذكر، والتعبير عن معاناة الذات الأنثى تملأ القصائد• وحينما يختفي الصوت الأنثوي أو يخفت، يبرز الصوت الجمعي فينا ومنا وإلينا، ونحمل جمر الرجوع••• ونلملم في الصمت أحداقنا• ويبدو الصوت الأنثوي في هذا الديوان غير معني بطرح قضايا المرأة كما جرت العادة في دواوين الشاعرات المعاصرات؛ فالهموم الوطنية، وذكريات المآسي، والحنين إلى الارض طغت على أي صوت آخر•


وحين تؤوب عصافير حُزني اليَّ

وتنشرُ ألحانَها قصةً عنْ

فضاءاتِ عُمْرٍ ذوى

سأعلن أنِّي

مع الريح أغنيةٌ

مع الموت قهرٌ

مع الليل بدرٌ••• شهيُّ

وأحمل كلَّ ذبالاتِ شمعي

وأمضي••• لأزرع كلّ الدوربِ

حقولَ ضياء•




تقف قصيدة شرفة دمشقية شاهدة على المعلم الثالث للديوان، ألا وهو الحنين للمكان الذي يأتي للوجدان محملاً بكل روائح التاريخ، ويثير فينا الشوق والأسى، ونحن نرى مدن الخراب الصامتة تنظر إلى عذاباتنا• قصيدة جميلة تقطر حنيناً لدمشق بياسمينها وقاسيونها وبرداها وحكاياتها وعمق تاريخها، وتنتقل القصيدة من مجرد حنين إلى ذكريات في المكان لتصور المكان وتجسيده روحاً عليا نهفو إليها• وتصبح المدينة ملهمة الإبداع والاحتراق والجنون• وحين تحس الذات بالألم والغربة والحيرة وتشقى وتنشطر على صدى أنات التعب، تمد المدنية يديها وتلملمنا• وتصبح دمشق، كما يافا والجليل، رمز بقاء الحلم برغم طول الفجيعة، وتتحول دمشق من مجرد مدينة إلى ملاذ مقدس يمنحنا الحنان والطمأنينة والإلهام ويسمو بنا• وتصبح المدينة نقيض مدن الخراب والصمت• وهذا التحول شبيه بتحول الشرفات التي تطل على المشهد كله أو على الفضاء العربي برمته إلى مستوى تجريدي أكثر، فتصبح الشرفات محطات عمرنا الضائع التي تطل على ذكريات الماضي، ويصبح الزهر حكاياتنا التي كتبناها في تلك المحطات• ديوان زهرُ الشرفات هو الثاني لرفعة يونس بعد أغانٍ لزمن معافى، ويمتاز بعذوبة رومانتيكية رقيقة برغم الظلال الوطنية الحزينة، وإيقاعات موسيقية وتكوينات بصرية جميلة توظف كل الحواس في تقديم صور ملونة ذات روائح عابقة من روائح الأرض والطبيعة، وتكوينات فنية ناعمة، وأصوات تعلو وتنخفض كصهيل خيول في براري، أو كتغريد بلابل•


ونأتي

نحمل جمرَ الرُّجوع

اليكِ••• نعود نجوماً

تشعُّ عذاباً

سراباً•• وطهرَ خشوع•

RAKBOY783
2 - 4 - 2010, 08:38 AM
تسلمين ع الطرح

>>جنرال راك<<
2 - 4 - 2010, 04:48 PM
شكراً ع الطرح

رذاذ عبدالله
2 - 4 - 2010, 06:59 PM
ارتشافات أدبية رائعــة،
دمتما بخير،