رذاذ عبدالله
7 - 5 - 2010, 12:47 PM
أحــزان السنـة الـعــراقيــة
الدستــور الاردنيـة
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/05/939_234516.jpg
عبدالستار ناصر
ثلاثة مجلدات للشاعر خزعل الماجدي: الأول في عام 2001 ، والثاني في 2005 ، والثالث في ,2008 وكلها صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ، والمجلد الرابع جاهز للطبع ، ويبدأ بأحزان السنة العراقية عن ( خطف النسيم الذي اسمه مروان) حيث خطفوا ابنه البكر الذي يقول عنه:
"وأبصره في الهلال
وفي الغيم ، في نسمة الصبح
في موجة النهر
أبصره في الظلام وفي خفقة النور
أبصره في عظامي
وفي جوهري
في عيوني
وفي كل شاب يمر
ألم يكُ مروان يوسفكن الجميل؟
إذن أين ضاع؟
وأي الذئاب سبته؟"
ھھ
وخزعل الماجدي شاعر متهم بالشعر ، يجلس في البيت بمعطف الشعر ، يمشي في الشوارع برداء الشعر ، يأكل ويسافر وينام ويحلم ، يضحك أو يتألم ، يقرأ ويكتب ويغازل النساء والطيور ، وهواجسه كلها تعمل مع الشعر وتتماهى مع عجينة الكلمات حد أن يكون حرفاً في ذاك السحر القديم الذي كان ثالث الفنون في الأرض ، والذي يقول: (ليتني أستطيع رسم البلبل مع صوته) هو شاعر بما ينطق به ، وقد يقترب من فضاءات أبعد حين نسمعه يغني في المجلد الأول ويقول:
"أبكي كل يوم لأنني في هذا العالم
أبكي كل يوم لأنني في هذا المكان
أبكي كل يوم لأنني مع هؤلاء الأصدقاء
أبكي كل يوم لأنني أحب هذه المرأة
أبكي كل يوم لأنني أقرأ هذا الكتاب
أبكي كل يوم لأنني أكتب هذه القصيدة
أبكي ، أبكي كل يوم"
ھھ
تفرغ خزعل الماجدي طوال ما يقرب من تسعة أعوام لبحوث مهمة في المثيولوجيا ، وأصدر سبعة كتب في عمّان وحدها. وبرغم ذلك ، لم يبتعد عن الشعر: فهو يسكن في ثيابه وفي شعاب رغباته التي تشتعل مع الطبيعة والخمرة والنساء ، والجزء الذي أقرأ فيه اليوم هو الأول من بين ثلاثة مجلدات كتبها قبل أن يصل الأربعين من العمر ، أيام كان الشعر ملاذاً من الخوف والحرمان.
كل جزء من أعماله الشعرية يتعلق بفترة خاصة من حياته ، والجزء الأول أخذ حصته الكبرى من المرأة والعشق والمناجاة ، حتى إننا نوشك أن نغرق عميقاً في بحور الوصف الساحر لهذا المخلوق الفاتن الذي حصل على أكبر نسبة من الغزل والتغزل فيه ، وها هو خزعل يقول:
"عصفور وعش
يدك ويدي"
ھھ
ولا يشبع مما قال إذا به يكتب كلاماً أجمل كما لو أنه يعوم في نهر المرأة ويشرب الماء من جبالها:
"تحاكي الماء هذه المرأة
لا تحاكي النساء"
ھھ
لكن الكتابة عن المرأة في قصائد الماجدي لا تشبه ما كان عليه الحال أيام نزار قباني ، ذلك أن خزعل زاوجها مرة مع الطبيعة ومرة مع الطيور وأعطاها مفتاح الأشياء ، ولم يتعامل معها على أنها محض جسد يلبي الرغبات أو يثير الشهوات الجامحة ، ودعونا نقرأ بعض ما قاله نزار قباني:
"أشهد أن لا امرأة
على محيط خصرها تجتمع العصور"
أو قوله:
"على ذراعيها تربى أول الذكور
وآخر الذكور"
ھھ
بينما يقول خزعل الماجدي ، وأيضاً بحالة عشق جامحة ، لكنها أكثر عقلانية:
"بسبب جمالها
توقفت الطيور عن التغريد"
والفروق لا تحتاج إلى تفسير: الأول تخطى المعقول في الكلام عنها (على محيط خصرها تجتمع العصور) ، بينما وقف الثاني إلى جانب الغرائب الممكنة مع أنه غامر باللامألوف أيضاً ، وتجاوز خطوطه الحمر ، لكن القارئ سوف (يلتذ) بجمالها الذي أوقف الطيور عن التغريد أكثر مما يتمتع بمحيط خصرها الذي اجتمعت عليه العصور .
ست مجموعات شعرية ، تبدأ من(أطلس شرقي) وتنتهي عند(مخطوطات غجرية) وتحتوي بينهما على (قصائد الصورة) و(اسمعي موسيقا الذهب) و(فيزياء مضادة) مع مقدمة ، ليست بالقصيرة ، يحكي فيها عن مشروعه الذي أطلق عليه الكثير من التسميات ، في ما سبق ، حتى استقر على تعريف واحد هو (الشعر الشرقي) حيث جاء في المقدمة قوله: "رحلت في ثنايا أديان ونصوص وفنون الشرق القديم وتراثه الروحي والمادي حتى طفح كياني كله بهذا التراث العظيم ، الذي ما زال بحراً متلاطم الأمواج أمامي ، ثم بدأت أتمثل شيئاً فشيئاً ما عايشته بهدوء وأناة وصبر."
وهنا لا بد أن نقرأ بعض ما جاء في رحلته الشرقية حيث كتب قصيدته المسماة (نص أحشائي) ، وهي من قصائد الرمز والقناع التي من الممكن إحالتها إلى شخصية معروفة باستبدادها وبلغة الغدر التي ما عرفت من لغة سواها:
"العراف يقلب مشهد غرائزه ، كان صبياً عادياً يجوب الشوارع بدشداشته ، يضع العراف شمعة وبخوراً ويدق أمام عينيه أطلس المذبحة ، يختار أعلى الكراسي وزهرته على النار تنمو".
حتى يصل نهاية القصيدة بقوله:
"في قلبه يغلي العرش وإليه يتقدم بثبات وفي يده قنبلة يفجرها على كل من يعترضه... بعد سنين وصل إلى أعلى الكراسي ونادى على العراف وقتله".
ھھ
أقرانه في رضاعة الشعر وأبناء جيله (السبعينيات) يعترفون بموهبته على شيء من الغيرة والحسد ، فهو يعاقر الغرائبيات في قصائده ، ويمشي وحيداً متصوفاً بين اختياراته الشاذة التي لا تناسب ما يرتؤون من المألوف ، وهم يتذكرون (صياغاته) التي جعلته خارج ذاك السرب الهارب من (المتفق عليه) حين قال:
"أصوغ فمي وأنا أتكلم عنك
أصوغ عيوني وأنا أنظر إليك
أصوغ أقدامي وأنا أتقدّم نحوك
أصوغ يدي وأنا ألمسك
أصوغ رئتي وأنا أتنفسك
أصوغ العالم وأنا أحبك"
ھھ
إنها لوعة أن تنام تحت سقف الأصدقاء وهم على خلاف مع ما تراه من رؤى ورؤيا ، مع أنهم يغامرون مثلك ، بل ويقامرون بكل ما يملكونه من ذهب وموسيقى ومذاهب وأحلام واختراقات ، مع أن النتيجة ، وهذا ما لا تعرف أسبابه ، تأتي لصالح خزعل الماجدي حتى إذا كتبوا في ساعة إدمان أفضل مما يكتب.
أجل هو شاعر ، ينام على شجر الحروف ، أما زاد مسافاته فلا شيء سوى طعام المفردات التي يصطادها بسنارة عاشق أتعبه الحب ، وبالنسبة لي ، فقد اكتشفته شاعراً منذ أن كتب يقول:
"أتمنى لو أرسم البلبل مع صوته احتفاء بالحكاية الشفاهية ".
الدستــور الاردنيـة
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/05/939_234516.jpg
عبدالستار ناصر
ثلاثة مجلدات للشاعر خزعل الماجدي: الأول في عام 2001 ، والثاني في 2005 ، والثالث في ,2008 وكلها صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ، والمجلد الرابع جاهز للطبع ، ويبدأ بأحزان السنة العراقية عن ( خطف النسيم الذي اسمه مروان) حيث خطفوا ابنه البكر الذي يقول عنه:
"وأبصره في الهلال
وفي الغيم ، في نسمة الصبح
في موجة النهر
أبصره في الظلام وفي خفقة النور
أبصره في عظامي
وفي جوهري
في عيوني
وفي كل شاب يمر
ألم يكُ مروان يوسفكن الجميل؟
إذن أين ضاع؟
وأي الذئاب سبته؟"
ھھ
وخزعل الماجدي شاعر متهم بالشعر ، يجلس في البيت بمعطف الشعر ، يمشي في الشوارع برداء الشعر ، يأكل ويسافر وينام ويحلم ، يضحك أو يتألم ، يقرأ ويكتب ويغازل النساء والطيور ، وهواجسه كلها تعمل مع الشعر وتتماهى مع عجينة الكلمات حد أن يكون حرفاً في ذاك السحر القديم الذي كان ثالث الفنون في الأرض ، والذي يقول: (ليتني أستطيع رسم البلبل مع صوته) هو شاعر بما ينطق به ، وقد يقترب من فضاءات أبعد حين نسمعه يغني في المجلد الأول ويقول:
"أبكي كل يوم لأنني في هذا العالم
أبكي كل يوم لأنني في هذا المكان
أبكي كل يوم لأنني مع هؤلاء الأصدقاء
أبكي كل يوم لأنني أحب هذه المرأة
أبكي كل يوم لأنني أقرأ هذا الكتاب
أبكي كل يوم لأنني أكتب هذه القصيدة
أبكي ، أبكي كل يوم"
ھھ
تفرغ خزعل الماجدي طوال ما يقرب من تسعة أعوام لبحوث مهمة في المثيولوجيا ، وأصدر سبعة كتب في عمّان وحدها. وبرغم ذلك ، لم يبتعد عن الشعر: فهو يسكن في ثيابه وفي شعاب رغباته التي تشتعل مع الطبيعة والخمرة والنساء ، والجزء الذي أقرأ فيه اليوم هو الأول من بين ثلاثة مجلدات كتبها قبل أن يصل الأربعين من العمر ، أيام كان الشعر ملاذاً من الخوف والحرمان.
كل جزء من أعماله الشعرية يتعلق بفترة خاصة من حياته ، والجزء الأول أخذ حصته الكبرى من المرأة والعشق والمناجاة ، حتى إننا نوشك أن نغرق عميقاً في بحور الوصف الساحر لهذا المخلوق الفاتن الذي حصل على أكبر نسبة من الغزل والتغزل فيه ، وها هو خزعل يقول:
"عصفور وعش
يدك ويدي"
ھھ
ولا يشبع مما قال إذا به يكتب كلاماً أجمل كما لو أنه يعوم في نهر المرأة ويشرب الماء من جبالها:
"تحاكي الماء هذه المرأة
لا تحاكي النساء"
ھھ
لكن الكتابة عن المرأة في قصائد الماجدي لا تشبه ما كان عليه الحال أيام نزار قباني ، ذلك أن خزعل زاوجها مرة مع الطبيعة ومرة مع الطيور وأعطاها مفتاح الأشياء ، ولم يتعامل معها على أنها محض جسد يلبي الرغبات أو يثير الشهوات الجامحة ، ودعونا نقرأ بعض ما قاله نزار قباني:
"أشهد أن لا امرأة
على محيط خصرها تجتمع العصور"
أو قوله:
"على ذراعيها تربى أول الذكور
وآخر الذكور"
ھھ
بينما يقول خزعل الماجدي ، وأيضاً بحالة عشق جامحة ، لكنها أكثر عقلانية:
"بسبب جمالها
توقفت الطيور عن التغريد"
والفروق لا تحتاج إلى تفسير: الأول تخطى المعقول في الكلام عنها (على محيط خصرها تجتمع العصور) ، بينما وقف الثاني إلى جانب الغرائب الممكنة مع أنه غامر باللامألوف أيضاً ، وتجاوز خطوطه الحمر ، لكن القارئ سوف (يلتذ) بجمالها الذي أوقف الطيور عن التغريد أكثر مما يتمتع بمحيط خصرها الذي اجتمعت عليه العصور .
ست مجموعات شعرية ، تبدأ من(أطلس شرقي) وتنتهي عند(مخطوطات غجرية) وتحتوي بينهما على (قصائد الصورة) و(اسمعي موسيقا الذهب) و(فيزياء مضادة) مع مقدمة ، ليست بالقصيرة ، يحكي فيها عن مشروعه الذي أطلق عليه الكثير من التسميات ، في ما سبق ، حتى استقر على تعريف واحد هو (الشعر الشرقي) حيث جاء في المقدمة قوله: "رحلت في ثنايا أديان ونصوص وفنون الشرق القديم وتراثه الروحي والمادي حتى طفح كياني كله بهذا التراث العظيم ، الذي ما زال بحراً متلاطم الأمواج أمامي ، ثم بدأت أتمثل شيئاً فشيئاً ما عايشته بهدوء وأناة وصبر."
وهنا لا بد أن نقرأ بعض ما جاء في رحلته الشرقية حيث كتب قصيدته المسماة (نص أحشائي) ، وهي من قصائد الرمز والقناع التي من الممكن إحالتها إلى شخصية معروفة باستبدادها وبلغة الغدر التي ما عرفت من لغة سواها:
"العراف يقلب مشهد غرائزه ، كان صبياً عادياً يجوب الشوارع بدشداشته ، يضع العراف شمعة وبخوراً ويدق أمام عينيه أطلس المذبحة ، يختار أعلى الكراسي وزهرته على النار تنمو".
حتى يصل نهاية القصيدة بقوله:
"في قلبه يغلي العرش وإليه يتقدم بثبات وفي يده قنبلة يفجرها على كل من يعترضه... بعد سنين وصل إلى أعلى الكراسي ونادى على العراف وقتله".
ھھ
أقرانه في رضاعة الشعر وأبناء جيله (السبعينيات) يعترفون بموهبته على شيء من الغيرة والحسد ، فهو يعاقر الغرائبيات في قصائده ، ويمشي وحيداً متصوفاً بين اختياراته الشاذة التي لا تناسب ما يرتؤون من المألوف ، وهم يتذكرون (صياغاته) التي جعلته خارج ذاك السرب الهارب من (المتفق عليه) حين قال:
"أصوغ فمي وأنا أتكلم عنك
أصوغ عيوني وأنا أنظر إليك
أصوغ أقدامي وأنا أتقدّم نحوك
أصوغ يدي وأنا ألمسك
أصوغ رئتي وأنا أتنفسك
أصوغ العالم وأنا أحبك"
ھھ
إنها لوعة أن تنام تحت سقف الأصدقاء وهم على خلاف مع ما تراه من رؤى ورؤيا ، مع أنهم يغامرون مثلك ، بل ويقامرون بكل ما يملكونه من ذهب وموسيقى ومذاهب وأحلام واختراقات ، مع أن النتيجة ، وهذا ما لا تعرف أسبابه ، تأتي لصالح خزعل الماجدي حتى إذا كتبوا في ساعة إدمان أفضل مما يكتب.
أجل هو شاعر ، ينام على شجر الحروف ، أما زاد مسافاته فلا شيء سوى طعام المفردات التي يصطادها بسنارة عاشق أتعبه الحب ، وبالنسبة لي ، فقد اكتشفته شاعراً منذ أن كتب يقول:
"أتمنى لو أرسم البلبل مع صوته احتفاء بالحكاية الشفاهية ".