تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (موضوع خاص) تجربة أحمد العسم أو الخلاص بالشعر



رذاذ عبدالله
8 - 5 - 2010, 11:00 AM
تراوح بين نداءي الجمال والظلمة


تجربة أحمد العسم أو الخلاص بالشعر



4429





رغم قلة إصداراته، بل “ربما” لذلك السبب بالذات اتخذت تجربته أهميتها، فقصيدة النثر بوصفها تكثيفاً لا يحتمل الكثير من اللغو، تكون دائماً في حالة تشذيب، و”ربما” إلغاء من قبل الشاعر نفسه الذي يجد أن قصيدة واحدة أو مجموعة واحدة قالت الكثير مما أراده، ففي قصيدة النثر ليس هناك قيمة للمطولات، ولا للنظم، كما يحدث غالباً عند كتاب الشعر العمودي الذين يكثرون من إصداراتهم، خاصة وأن لكل منها “قد يكون” مناسبة، وهو الأمر الذي لا يوجد في قصيدة النثر التي في أساسها شكل من أشكال الاحتجاج على فكرتي النظم والمناسبة .





تجربة العسم هي تجربة اغتراب وجودي بامتياز، يدهش الشاعر نفسه، يجعله يتأمل في ذاته وكأنها كينونة أخرى، أو صورة خرجت له فجأة كي تقول له: هذا أنت، فلِم أنت مستغرب؟





الاغتراب عند العسم يقوده في اتجاهات عدة، وبلغة أكثر دقة نحو الداخل والخارج معاً، فما من حياة إلا بذلك الامتزاج السحري بين الداخل والخارج، امتزاج يحتمل المواجهة والرفض، كما يقوم في الأساس على النكران، نكران الذات الذي يقود إلى توحيد الصورة بين الداخل والخارج، وهو ما نجده على سبيل المثال لا الحصر في قصيدة “ليل” من مجموعته “يحدث هذا فقط”:




“كل ليلة



يتسلل إلى البيت كلص



يضغط أكرة الباب بهدوء



يصطدم بدمية ابنته في الممر



يرتعبُ



يجلس!!



يلتقط خسائره



يدخن كعجوز محبط . . نافذ!”





ثمة ما ينبه الشاعر إلى ذاته في اصطدامه بدمية ابنته في الممر، ما يجعله يشعر بأنه قد تحول إلى عجوز هرم، عليه أن يجلس كي يحصي الخسائر، متحسساً تلك الحياة التي جعلته يتسلل كلص إلى البيت، هكذ تأتي اللحظة الشعرية بسيطة مثل ماء جار في ينبوع كي تغسل الحصى، وتمضي إلى مصيرها، الذي يحمل في طياته سوداوية من نوع ما، فدمية الابنة هنا لا تمنح الفرح، بقدر ما تذكر بمرور السنين، والتي “ربما” لم تؤد إلى شيء سوى الخسائر .





يوحد العسم في القصيدة ذاتها أيضاً بين الذاتي والموضوعي، وكأن الشعر يمر بين صورة وأخرى بحالة من الصحو، وهو صحو لا يفقد شعرية النص جمالياتها، وإنما يرفد المعنى، ويمتن العلاقة بين المفردات داخل النص، ويزيد من الحساسية الشعرية، حيث يمارس العسم لعبته مع العدم، كاشفاً عن الوجوه المتعددة للإحباط:





“هناك . .



حيث يجلس الكذب على مقهى



تتساقط من يأسها وجوه



أتساقط!!



ليلة تعاطت الترياق في مهب الريح



ألملم الكارثة



أمضي، تاركاً بقايا الزوال



لكناس أعمى



حيث الذاكرة مفتوحة!!”





مفردات العسم تقود إلى مناخ واحد من حيث الإشارات والدلالات، فنحن نجد “السقوط”، و”الريح”، و”الكارثة”، و”الزوال”، و”الكناس الأعمى”، تلك المفردات التي يضيء من خلالها على عالم في حالة الزوال، وهو زوال يحمل حنيناً إلى عالم آخر، عالم لا يجلس فيه الكذب على مقهى، وهو يشير بوضوح إلى البشر الآخرين من أصدقاء وغيرهم، كما يشير أيضاً إلى حالة اليأس الموجودة في ذات الشاعر، وفي خارجها على حد سواء، هو ما يقود شعرياً إلى الإحساس بالكارثة، تلك التي يلملمها الشاعر، لكن “الذاكرة المفتوحة” تستدعي مزيداً من اليأس، وكأنها نبع الخيبات الذي لا ينضب .





في المناخ ذاته تصبح فكرة التلاشي فكرة واقعية بامتياز لدى الشاعر، وهو تماهٍ مع العدم الذي يشكل حقيقة اللحظة الإنسانية التي تقود إلى اللحظة الشعرية، حيث تسقط الجدوى من حسابات الشاعر، وهو أمر ضروري للكشف عن هول المأساة، فالتصعيد هنا يتم بشكل تراجيدي حسب اللغة الشكسبيرية، هو تصعيد درامي لكنه لا ينفصل عن الواقع، وإنما يخبر عنه:





“عل الغياب



يحملنا في حقائب السفر



لا يتذكرنا أحد



علّ السهر . . يطول بنا



نصعد للأفق!!”






ثنائيــــة




إن الأفق في المقطع السابق يصبح مرادفاً للعدم، وليس عالماً محلوماً به من قبل الشاعر، فرغبته بأن يصبح كائناً منسياً، تشير إلى فقدان الرابطة مع الواقع الموضوعي الذي أصبح هو الآخر عدماً يدفع الشاعر إلى أمنيات كتلك .





من جهة أخرى، فإن بعض نماذج العسم الشعرية تقوم على ثنائية الموت والحياة، ليس بالمعنى المباشر الذي يشير إلى الموت والقيامة، أو الانبعاث من جديد كما في الشعر الرؤيوي، وهو ما نجده على سبيل المثال لا الحصر في قصيدة “أنشودة المطر” للشاعر الراحل بدر شاكر السياب، وإنما الموت والحياة بوصفهما مساحة للسؤال عما يجري داخل الواقع، وهو حوار كشفي بالدرجة الأولى، والكشف هنا دال على الماهيات، وعلى علاقة الذات بتلك الماهيات:




“قالت: صفْ لي الحياة؟



أخذتها إلى المقبرة . . مباشرة!!



قالت: صفْ لي الشعرَ؟



تركتها بائسة!!



قالت: اقرأ لي . .!!



قرأت الحياة!!”




الشاعر هنا يقوم بقراءة الحياة ذاتها عبر كتابتها، وإذا كانت كتابته هي القصيدة ذاتها، والتي يصفها العسم بأنها بائسة، فذلك لأن الحياة كما يراها قد تحولت إلى مقبرة، ورغم المباشرة في طرح العسم، فإن ذلك الطرح الشعري يأخذ أهميته في إلغاء التضاد بين الحياة والموت، فالحياة لديه هي ما يموت، وما يذهب إلى المقبرة، الحياة هي كل ما ينتهي، لذا من الطبيعي أن تكون هذه الحالة هي نوع من الملهاة والمأساة في الوقت نفسه، أو نوع من الكوميديا السوداء، حيث كل شيء يمكن أن يثير الضحك والبكاء في الوقت نفسه، وهو ما تشير إليه خاتمة قصيدة “حوار”:




“قالت: إني شمعة منطفئة



شتاء بارد!!



أشعلت لها رأسي . . رقصت!!



قالت: عيوني زرقاء مالحة . .



ضحكت وبكيت . .



انكسرت!!





تماماً كما في الكوميديا السوداء تنتهي القصة بسقوط البطل، وهو بطل غير مستقر، حائر، ومتعثر، قادر على فضح الأشياء، من دون أن يملك القدرة على التصرف، وهو لا ينتظر من يعلن سقوطه، لأن مهمته الحقيقية تكمن في إعلان السقوط الذي يعني غياب الفعل، وغياب القدرة عليه .





في صفحتين متقابلتين من ديوان “يحدث هذا فقط” نجد في الصفحة رقم 68 قصيدة تحت عنوان “حب” وفي الصفحة التالية قصيدة تحت عنوان “انكسارات” ما يوحي مباشرة بالعلاقة الوطيدة بين الحب والانكسار عند العسم، وهو ما سنجده لدى دخول المتن الشعري لكلتا القصيدتين حيث يقول في “حب”:




“كما أنت . .



في طفولة دافئةٍ،



وحادة . .



قد تأتين بالعطر!!”





الشاعر ليس متأكداً من قدرة الحب على العطاء، أو على منح الحياة نكهة مغايرة، فهو يقول “قد تأتين بالعطر” وكأن به يقول: لن تأتي بالعطر، وهو ما سنقترب منه أكثر في قصيدة “انكسارات” حيث يقول:




“رهين . .



هذا القلب . .



انكساراته متعددة!!”




يحيل العسم في واحدة من قصائده صيرورة الحياة إلى ما يشبه القدر، حيث كل شيء محدد مسبقاً، لكنه قدر الشاعر في رحلة البحث عن معنى خاص، وعن حياة متفردة، وهو ما لا تمنحه الحياة لأصحابها عادة، فكلما مضت حياة الشاعر نحو الأمام خف بريق الأمل، وزاد الاعتقاد أن ما يكتبه هو مكتوب، وهنا يتداخل الذاتي بالكوني، عائداً ذلك التداخل بنا إلى المعادل الموضوعي للتعبير عن محدودية الكائن أمام اللامحدود، والتي تشعره بأن كل كتابة هي تأكيد على تلك المحدودية:




“أحياناً،



يخيل إلي . .



أن التعرجات التي على وجهي،



نهر قديم . .



كان،



يسكنني،



منذ



الطفولة!!”






حيـــرة




في مجموعته “الفائض من الرف” يكمل العسم تعبيره الحائر عن قدرية الحياة، والتي يعيد جذورها إلى الطفولة البعيدة، تلك الطفولة التي تجعل مسارات الأسئلة تتعدد، ولا تعود الأجوبة في ما بعد مقنعة، وهو ما يحيل الحيرة إلى نوع من الدهشة، وهي دهشة وجودية دنيوية، ما يجعل تلك القدرية التي أشار إليها العسم في أكثر من نص جزءاً من قدر وجود الإنسان ذاته في اختياره لشكل السؤال، وزاوية النظر إلى الحياة، وإلى موقع الكائن من مجريات الأحداث، وهو ما نجده على سبيل المثال لا الحصر في قصيدة “نبوءة الشرخ”:




“منذ طفولتي



أقذف دهشتي



على وجوه المارة



لا أدري



إلا



أن إجابة واحدة



لا تُشبع” .




في “الفائض من الرف” يصبح العنوان مع قراءة كل مقطع شعري جزءاً من المقطع نفسه، إذ يتناول العسم الواقع في قسوته المباشرة، قسوة توجدها وتائر الحياة المتسارعة، ما يجعل الإنسان مهمشاً قياساً إلى كل اختراعاته، وهو الفائض الوحيد عن الحاجة، من دون أن تنتقص تلك القسوة من إرادة الحلم لديه، ذاك الحلم الذي يأتي كخلاص شعري ومسرحي من كل ما يجعل الحياة مكاناً لممارسة القسوة:




“نحن الحالمون



بنهوض الراتب من غفلته



والآملون



بابتلاع الأرض



للصراف الآلي



تخرج حياتنا صافية



بالمسرات” .





الكائن الفائض عن الحاجة في “الفائض من الرف” يحيا بانتظار أن تعلن الحياة نهايتها، وبانتظار تلك اللحظة يعيش الكائن في تناقضاته بين ندائين، نداء الجمال، ونداء الظلمة السرمدية، بين الوجود والعدم، بين أهمية الحلم واللا جدوى من الفعل، لكن فعل الترقب يبقى مثل النجمة الساطعة في قلب الظلمة، وهي النجمة التي يلاحقها الساهرون، حيث فعل السهر فعل حياة وانتظار، فعل تأمل في العلاقة الغامضة التي تشد الإنسان إلى الحياة، رغم إدراكه العميق لطبيعة النهاية:




“نحن من يسمع أنين البئر



ونداء الشجر



الساهرون



على أطرافنا



نرقب مجيء



حفاري الظلمة



تحديداً!!”.

خليفة بن محمد
12 - 5 - 2010, 12:34 AM
العسم كم هو مرهف الاحساس هذا الانسان.

رذاذ عبدالله
12 - 5 - 2010, 10:56 AM
شاكـرة لك مداخلتكــ الجميلة،،
والإحساس المرهف توأم الكاتب المعطاء،،
شاكرة مروركــ المميز هنا،،
دمت برقي،،

غاية المنى
12 - 5 - 2010, 01:00 PM
^_^

الموضووع جميــل

^_^

يسلموووو^.^

PAPAYA
12 - 5 - 2010, 01:12 PM
ثانكس عالنيوز

رذاذ عبدالله
12 - 5 - 2010, 01:31 PM
شاكرة ارتشافاتكما الادبية،،
ومروركما الجميل،،
دمتما برقي،،

RAK.196
12 - 5 - 2010, 04:04 PM
ثانكس عالنيوز

رذاذ عبدالله
13 - 5 - 2010, 01:24 PM
شاكـرة تواجدكــ في المرفأ الادبي،
دمت برقي،،

الغيث2008
13 - 5 - 2010, 11:33 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

العسم يدور في متاهات الزمن القريب والبعيد

قريب الى القلب

رذاذ عبدالله
14 - 5 - 2010, 08:57 PM
شاكــرة ارتشافاتكــ الادبيــة،،
دمت بود،،