رذاذ عبدالله
22 - 5 - 2010, 11:55 AM
أول عربي يلقي كلمة يوم المسرح العالمي
سعد الله ونوس الجائع إلى الحوار والمحكوم بالأمل
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/05/21/99700.jpg
“1941- 1997” الذي يعد واحداً من أهم رواد المسرح العربي المعاصر، تأتي مقترنة مع الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين، وهو الذي اعتبر بحق أحد مؤرخي الهزيمة على مستوى أبي الفنون، حيث كان هاجس ونوس الدائم التركيز على تحليل بنية الهزيمة تاريخياً وواقعياً، وكان سؤاله الدائم لماذا وصل العرب إلى ما وصلوا إليه، وما الذي قادهم إلى الهزيمة؟ . كان ونوس أول مسرحي عربي يلقي كلمة يوم المسرح العالمي في 27 مارس/آذار ،1996 وكان يومها مريضاً بالسرطان، وقد وقف فوق خشبة مسرح الحمراء في دمشق ليحيي الأمل بالمسرح كواحد من الفنون التي لاغنى عنها للعرب والعالم من أجل التعبير، خاصة عن القضايا الكبرى والمؤرقة، وقد ختم كلمته يومها بالقول: “إننا محكومون بالأمل” .
لحظة ختامه الكلمة بكى الكثيرون من الموجودين في الصالة التي فاضت بمحبي ونوس، وبالذين رافقوه سنين في درب إبداعه، وقد بكوا لأن واحداً من أكثر المصابين بخيبة الأمل ظل متمسكاً به حتى الرمق الأخير، وهو تمسك معرفي وثقافي يتجاوز الحالة الخاصة، فمن المعروف أن ونوس توقف عن الكتابة بعد اجتياح “إسرائيل” لمدينة بيروت عام 1982 لأنه لم يكن قادراً على تخيل المشهد، وهو الذي كتب آلاف المشاهد، ولم يكن قادراً على فهم ذلك الفصل المأساوي من تاريخ العرب المعاصر، وهو الذي كتب فصول مأساة حزيران عام 1967 مسرحاً في رائعته “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” .
سيرة ونوس هي سيرة رجل مسرح ورجل حياة ورجل سياسة ومعرفة، وكان منذ بداياته قومياً، ولا عجب، فقد كانت دراسته الجامعية الأولى في مصر عبد الناصر، ودارت مسرحيته الأولى حول انفصال مصر وسورية عام ،1961 ولم تنشر المسرحية إلا بعد وفاته، وكانت تحت عنوان “الحياة أبداً”، ومنذ تلك اللحظة كان مشغولاً بتأصيل المسرح عربياً كشكل فني ملتزم، وكان مدركاً في الوقت نفسه لما يحيط بالأمة والمواطن العربي من أخطار، ولأنه لم يكن انفعالياً آثر الغوص والبحث في التاريخ العربي الإسلامي، وهو ما سيتوضح لاحقاً في عمل من أنضج مسرحياته وهو “منمنمات تاريخية” التي قدمت في غير عاصمة عربية .
في عام 1973 أصدر ونوس مسرحيته “سهرة مع أبي خليل القباني” عائداً بذلك إلى التراث العربي القديم والحديث على أكثر من مستوى، وقد جاءت المسرحية لتشكل مفصلاً مهماً في تاريخ المسرح العربي، فقد تناول ونوس مأساة واحد من مؤسسي المسرح العربي “أبو خليل القباني” في شكل تراثي مأخوذ من حكايات ألف ليلة ولية، كأن به أراد بذلك أن يقدم أنموذجاً رائداً في استثمار التراث لإيصال الرسالة المعرفية والسياسية لأكبر قدر من المتلقين، ومن جهة أخرى ليؤكد أهمية بناء علاقة مغايرة مع التراث بعيداً عن ثنائية القبول والرفض التي اتسم بها العقل العربي في علاقته مع التراث والحداثة .
في “سهرة مع أبي خليل القباني” هناك تداخل في البناء المسرحي على مستوى أزمنة ثلاثة موجودة في العمل، وهي زمن “ألف ليلة وليلة”، وزمن أبي خليل القباني وإشكاليته مع السلطة العثمانية التي تؤشر إلى نظرة السلطة الاستبدادية إلى الإبداع بوصفه منبعاً للخطر على موقعها ومصالحها، نتيجة لإدراكها لدوره التنويري، وزمن ونوس ذاته، وتلك الأزمنة الثلاثة تأتي لتعبر عن مأساة واحدة على المستوى السياسي المباشر، وهي غياب الديمقراطية وحرية التعبير، وعلى المستوى المعرفي تشكل نقداً للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن العربي .
أما على المستوى التقني فقد كانت المسرحية مقدمة لبحث مهم حول الكتابة المسرحية، فقد ظلت إشكالية التعبير عن أزمنة عدة في العمل المسرحي الواحد من أصعب الإشكاليات التي تواجه المسرح، غير أن ونوس تمكن من بناء تداخل وتشابك بين الأزمنة انطلاقاً من الثيمة الأساسية التي يدور حولها العمل، وهي الحاجة إلى التنوير في علاقة المجتمع مع الثقافة والفن والحريات، وقد مدته تلك الثيمة بإمكانيات كبيرة في استثمار الموروث العربي وتوظيفه، خاصة أن العمل يفتح من حيث الامكانيات التي يحملها النص فضاءات رحبة للإخراج والسينوغرافيا، وهو ما جعل هذه المسرحية تعاد إخراجياً أكثر من مرة في أكثر من بلد عربي، من خلال رؤى مختلفة في كل مرة .
في لقاء ثلاثي ضم ونوس والشاعر والمسرحي الفرنسي جان جينيه والشاعر علي الجندي ونشرته مجلة “الكرمل” التي كان يرأس تحريرها الشاعر الراحل محمود درويش، ثمة نقاش عميق أداره ونوس ببراعة مع جينيه الذي ناصر قضايا العرب وفلسطين، وعاش في مخيمات الفدائيين في لبنان، وتعرف إلى حياتهم، في ذلك الحوار كشف ونوس عن هوة رئيسية بين الشرق والغرب حول القضايا التي يتطرق إليها المسرح، فقد كان ونوس مشغولاً بالقضايا الكبرى التي تتمثل بالتحديات الأساسية التي تواجه العرب في وجودهم وهويتهم وطبيعة النظم السياسية، وغيرها من القضايا الفكرية التي يمكن أن تؤسس لعصر عربي جديد، بينما اتجه الغرب إلى التعبير عن القضايا الفردية الوجودية متناسياً الكثير من المآسي التي أوجدها الغرب للأمم الأخرى .
لم يترك ونوس فرصة إلا وعبر من خلالها عما يؤرقه من قضايا، انتقل في كتاباته بين عوالم عدة، لم يتكلس في إطار واحد، وهو ما يظهر جلياً في مسرحيته “يوم من زمإننا” التي ما زالت، بل “ربما” ازدادت اليوم أهميتها في كونها عملا يكشف الفساد الأخلاقي الذي وصلت إليه المجتمعات العربية، ذلك الفساد الذي يطال شرائح عدة من المجتمع، ولم يعد ظاهرة فردية، وإنما ظاهرة عامة، وهو ما أشار إليه ونوس في مسرحيته لينبه إلى خطر آخر من الأخطار الداخلية التي ستعيق مسيرة النمو والتحديث في المجتمعات العربية .
تكريمــ ونوس
تم الاحتفاء بسعد الله ونوس كثيراً في أثناء حياته، وكان أهم احتفاء يحظى به هو عرض مسرحياته من قبل فرق تنتمي إلى العديد من البلدان العربية، وخاصة في مصر ولبنان، حيث تم تقديم الكثير من أعماله، كما حصل ونوس على جائزة مهرجان قرطاج، وجائزة مهرجان القاهرة التجريبي، وكرمته الإمارات من خلال حصوله على جائزة سلطان العويس الثقافية في دورتها الأولى 1988- 1989 .
سعد الله ونوس الجائع إلى الحوار والمحكوم بالأمل
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/05/21/99700.jpg
“1941- 1997” الذي يعد واحداً من أهم رواد المسرح العربي المعاصر، تأتي مقترنة مع الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين، وهو الذي اعتبر بحق أحد مؤرخي الهزيمة على مستوى أبي الفنون، حيث كان هاجس ونوس الدائم التركيز على تحليل بنية الهزيمة تاريخياً وواقعياً، وكان سؤاله الدائم لماذا وصل العرب إلى ما وصلوا إليه، وما الذي قادهم إلى الهزيمة؟ . كان ونوس أول مسرحي عربي يلقي كلمة يوم المسرح العالمي في 27 مارس/آذار ،1996 وكان يومها مريضاً بالسرطان، وقد وقف فوق خشبة مسرح الحمراء في دمشق ليحيي الأمل بالمسرح كواحد من الفنون التي لاغنى عنها للعرب والعالم من أجل التعبير، خاصة عن القضايا الكبرى والمؤرقة، وقد ختم كلمته يومها بالقول: “إننا محكومون بالأمل” .
لحظة ختامه الكلمة بكى الكثيرون من الموجودين في الصالة التي فاضت بمحبي ونوس، وبالذين رافقوه سنين في درب إبداعه، وقد بكوا لأن واحداً من أكثر المصابين بخيبة الأمل ظل متمسكاً به حتى الرمق الأخير، وهو تمسك معرفي وثقافي يتجاوز الحالة الخاصة، فمن المعروف أن ونوس توقف عن الكتابة بعد اجتياح “إسرائيل” لمدينة بيروت عام 1982 لأنه لم يكن قادراً على تخيل المشهد، وهو الذي كتب آلاف المشاهد، ولم يكن قادراً على فهم ذلك الفصل المأساوي من تاريخ العرب المعاصر، وهو الذي كتب فصول مأساة حزيران عام 1967 مسرحاً في رائعته “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” .
سيرة ونوس هي سيرة رجل مسرح ورجل حياة ورجل سياسة ومعرفة، وكان منذ بداياته قومياً، ولا عجب، فقد كانت دراسته الجامعية الأولى في مصر عبد الناصر، ودارت مسرحيته الأولى حول انفصال مصر وسورية عام ،1961 ولم تنشر المسرحية إلا بعد وفاته، وكانت تحت عنوان “الحياة أبداً”، ومنذ تلك اللحظة كان مشغولاً بتأصيل المسرح عربياً كشكل فني ملتزم، وكان مدركاً في الوقت نفسه لما يحيط بالأمة والمواطن العربي من أخطار، ولأنه لم يكن انفعالياً آثر الغوص والبحث في التاريخ العربي الإسلامي، وهو ما سيتوضح لاحقاً في عمل من أنضج مسرحياته وهو “منمنمات تاريخية” التي قدمت في غير عاصمة عربية .
في عام 1973 أصدر ونوس مسرحيته “سهرة مع أبي خليل القباني” عائداً بذلك إلى التراث العربي القديم والحديث على أكثر من مستوى، وقد جاءت المسرحية لتشكل مفصلاً مهماً في تاريخ المسرح العربي، فقد تناول ونوس مأساة واحد من مؤسسي المسرح العربي “أبو خليل القباني” في شكل تراثي مأخوذ من حكايات ألف ليلة ولية، كأن به أراد بذلك أن يقدم أنموذجاً رائداً في استثمار التراث لإيصال الرسالة المعرفية والسياسية لأكبر قدر من المتلقين، ومن جهة أخرى ليؤكد أهمية بناء علاقة مغايرة مع التراث بعيداً عن ثنائية القبول والرفض التي اتسم بها العقل العربي في علاقته مع التراث والحداثة .
في “سهرة مع أبي خليل القباني” هناك تداخل في البناء المسرحي على مستوى أزمنة ثلاثة موجودة في العمل، وهي زمن “ألف ليلة وليلة”، وزمن أبي خليل القباني وإشكاليته مع السلطة العثمانية التي تؤشر إلى نظرة السلطة الاستبدادية إلى الإبداع بوصفه منبعاً للخطر على موقعها ومصالحها، نتيجة لإدراكها لدوره التنويري، وزمن ونوس ذاته، وتلك الأزمنة الثلاثة تأتي لتعبر عن مأساة واحدة على المستوى السياسي المباشر، وهي غياب الديمقراطية وحرية التعبير، وعلى المستوى المعرفي تشكل نقداً للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن العربي .
أما على المستوى التقني فقد كانت المسرحية مقدمة لبحث مهم حول الكتابة المسرحية، فقد ظلت إشكالية التعبير عن أزمنة عدة في العمل المسرحي الواحد من أصعب الإشكاليات التي تواجه المسرح، غير أن ونوس تمكن من بناء تداخل وتشابك بين الأزمنة انطلاقاً من الثيمة الأساسية التي يدور حولها العمل، وهي الحاجة إلى التنوير في علاقة المجتمع مع الثقافة والفن والحريات، وقد مدته تلك الثيمة بإمكانيات كبيرة في استثمار الموروث العربي وتوظيفه، خاصة أن العمل يفتح من حيث الامكانيات التي يحملها النص فضاءات رحبة للإخراج والسينوغرافيا، وهو ما جعل هذه المسرحية تعاد إخراجياً أكثر من مرة في أكثر من بلد عربي، من خلال رؤى مختلفة في كل مرة .
في لقاء ثلاثي ضم ونوس والشاعر والمسرحي الفرنسي جان جينيه والشاعر علي الجندي ونشرته مجلة “الكرمل” التي كان يرأس تحريرها الشاعر الراحل محمود درويش، ثمة نقاش عميق أداره ونوس ببراعة مع جينيه الذي ناصر قضايا العرب وفلسطين، وعاش في مخيمات الفدائيين في لبنان، وتعرف إلى حياتهم، في ذلك الحوار كشف ونوس عن هوة رئيسية بين الشرق والغرب حول القضايا التي يتطرق إليها المسرح، فقد كان ونوس مشغولاً بالقضايا الكبرى التي تتمثل بالتحديات الأساسية التي تواجه العرب في وجودهم وهويتهم وطبيعة النظم السياسية، وغيرها من القضايا الفكرية التي يمكن أن تؤسس لعصر عربي جديد، بينما اتجه الغرب إلى التعبير عن القضايا الفردية الوجودية متناسياً الكثير من المآسي التي أوجدها الغرب للأمم الأخرى .
لم يترك ونوس فرصة إلا وعبر من خلالها عما يؤرقه من قضايا، انتقل في كتاباته بين عوالم عدة، لم يتكلس في إطار واحد، وهو ما يظهر جلياً في مسرحيته “يوم من زمإننا” التي ما زالت، بل “ربما” ازدادت اليوم أهميتها في كونها عملا يكشف الفساد الأخلاقي الذي وصلت إليه المجتمعات العربية، ذلك الفساد الذي يطال شرائح عدة من المجتمع، ولم يعد ظاهرة فردية، وإنما ظاهرة عامة، وهو ما أشار إليه ونوس في مسرحيته لينبه إلى خطر آخر من الأخطار الداخلية التي ستعيق مسيرة النمو والتحديث في المجتمعات العربية .
تكريمــ ونوس
تم الاحتفاء بسعد الله ونوس كثيراً في أثناء حياته، وكان أهم احتفاء يحظى به هو عرض مسرحياته من قبل فرق تنتمي إلى العديد من البلدان العربية، وخاصة في مصر ولبنان، حيث تم تقديم الكثير من أعماله، كما حصل ونوس على جائزة مهرجان قرطاج، وجائزة مهرجان القاهرة التجريبي، وكرمته الإمارات من خلال حصوله على جائزة سلطان العويس الثقافية في دورتها الأولى 1988- 1989 .