المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (موضوع خاص) تيد هيوز.. شاعر البلاط البريطاني الذي رأى إنسان العالم الحديث منقسماً على ذاته



رذاذ عبدالله
23 - 5 - 2010, 10:34 AM
تيد هيوز.. شاعر البلاط البريطاني الذي رأى إنسان العالم الحديث منقسماً على ذاته




http://www.addustour.com/NewsImages/2010/05/953_238260.jpg




يمثل الشاعر الإنجليزي تيد هيوز واحداً من أعظم شعراء بريطانيا خلال القرن العشرين ، خاصة في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية: وقد تعزز حضوره في الشعر البريطاني خلال فترة الستينيات وما تلاها إلى يوم وفاته عام ,1998 لكن رحيله عن العالم ، بعد معاناة مع مرض سرطان القولون ، لم تجعل نجمه الشعري يخفت في السنوات التي تلت. وها هو يعود بقوة إلى دائرة الاهتمام في الشعر البريطاني بقوة ، من خلال إصدار عدد من أصدقائه رسائله إليهم وذكرياتهم معه ، خلال الفترة العاصفة التي تمثلت في زواجه من الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث ، ثم انفصاله عنها ، ووفاتها منتحرة بالغاز عام 1963 ، وما تبع وفاة بلاث من تلويث سمعة هيوز واتهامه بالتسبب في انتحارها. يعود هيوز ، إذن ، إلى دائرة الإهتمام مجدداً ، ويحتفل بشعره وتحتل دواوينه زاوية الشعر في المكتبات البريطانية الكبرى ، ويصدر عنه جوناثان بيت كتاباً يتناول سيرته.





ومما يستحق الذكر أن واحداً آخر من شعراء بريطانيا لم يحظ ، منذ تي. س. إليوت ، بالشهرة التي حظي بها تيد هيوز. وكانت شهرته ومكانته الأدبية قد تجددتا من بعد أن نشر ترجمته لـ "حكايات من أوفيد" (1997) ، ثم فجّر ـ في بدايات عام 1998 ـ قنبلة أدبية بنشره كتابه "رسائل عيد الميلاد" الذي يستعيد فيه حياته مع سيلفيا بلاث. وقد وضعه ذلك الكتاب على لائحة أكثر الكتب مبيعاً ، حيث باع ناشرو الكتاب أكثر من مائة ألف نسخة خلال فترة زمنية قصيرة ، كما فاز كتاب "حكايات من أوفيد" ، الذي يضم ترجمة عدد من حكايات "مسخ الكائنات" للشاعر الروماني أوفيد قام هيوز باعادة قراءتها وترجمتها بتصرف يناسب تأويله الخاص لأوفيد ، بجائزتين ، هما: جائزة دبليو. اتش. سميث ، وجائزة ويتبريد البريطانيتين ، وفازت "رسائل عيد الميلاد" كذلك بجائزة الشعر ، وقلدته الملكة إليزابيث وسام الاستحقاق البريطاني قبل وفاته بأيام قليلة.




ولد تيد هيوز (إدوارد جيمس هيوز) في مقاطعة يوركشاير البريطانية عام 1930 ، ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج ، لكنه انتقل من قسم الأدب الإنجليزي ، الذي لم تلق طريقة تدريسه الصارمة العقيمة لموضوع الأدب هوى في نفس هيوز ، إلى قسم علم الآثار والأنثروبولوجيا حيث تخرج في الجامعة عام ,1954 وفي جامعة كمبريدج ، التي واصل دراسته فيها ، التقى عام 1956 بالشاعرة الأمريكية الشابة سيلفيا بلاث التي كانت آتية من أمريكا لدراسة الأدب الإنجليزي في الجامعة نفسها. وقد أثمرت العلاقة ، التي نشأت بين الشاعرين الشابين المملوءين حماسة ، زواجاً مضعضعاً انتهى عام 1963 بانتحار سيلفيا بلاث باستنشاق غاز فرنها المنزلي على أثر ترك تيد هيوز لها وإنشائه علاقة مع امرأة أخرى تدعى آسيا ويفيل ، التي انتحرت هي الأخرى عام 1969 بعد أن قتلت ابنتها شورا التي أنجبتها من تيد هيوز.




لقد انعكست هذه المآسي الشخصية على شعر تيد هيوز ، ولوّنت رؤيته المظلمة القاسية للحياة ، فقد اتهم الشاعر البريطاني بأنه تسبب في انتحار سيلفيا بلاث ، وعده دعاة النسوية عدواً للمرأة ونعتوه بقاتل زوجته ، وهاجموا الأمسيات الشعرية التي كان يقيمها ومسحوا اسمه المكتوب على شاهدة قبر سيلفيا بلاث أكثر من مرة. لكن هيوز لم يحاول مرة واحدة الدفاع عن نفسه ، ولم يجادل النقاد الذين نصبّوا سيلفيا بلاث مثالاً للعبقرية الشعرية الأنثوية ، وفي الوقت نفسه نموذجاً للمرأة الضحية ، مغفلين في هجومهم على هيوز أن بلاث نفسها كانت تعاني مرضاً عقلياً دفعها قبل خمس سنوات من زواجها من هيوز إلى محاولة وضع حد لحياتها. ويصف كتابها "أرييل" ، الذي نشر بعد وفاتها ، وكذلك روايتها "الناقوس الزجاجي" ، المشكلات النفسية التي كانت تعانيها ، وصولاً إلى وقوعها تحت وطأة نوبات المرض العقلي التي كانت تصيبها من حين لآخر قبل زواجها من هيوز وبعد زواجها منه كذلك.




في كتابه الشعري "رسائل عيد الميلاد" ، الذي كتب هيوز قصائده الثماني والثمانين على مدار خمسة وعشرين عاماً وقرر نشره بعد أن أعلمه الطبيب بخطورة مرضه. يسرد الشاعر البريطاني وقائع لقائه وحياته مع سيلفيا بلاث عبر لقطات شعرية سريعة تستذكر تفاصيل اللحظات الماضية. إنه أشبه باعتذار متأخر لذكرى المرأة التي أحبها هيوز وكانت مصدراً لألم عاناه الشاعر إلى آخر يوم في حياته.




بدأت موهبة تيد هيوز الشعرية خلال سنوات دراسته في جامعة كمبريدج ، حيث كان ينشر قصائده الشعرية الأولى ، التي تمزج اللغة الشكسبيرية بلغة جيرار مانلي هوبكنز ، في المجلات الصغيرة التي كانت تصدرها الجماعات الأدبية التي ازدهرت في الجامعة وغيرها من التجمعات الثقافية في بريطانيا الخمسينيات.




ولكن اسمه بدأ يلمع بعد أن نشر مجموعته الشعرية الأولى "الصقر تحت المطر" (1957) ، ثم مجموعته الشعرية التالية "مهرجان الخصب" (1960). وهو يحشد قصائده ، في هاتين المجموعتين ، بالصقور والفهود وسمك الكراكي وديوك السمن وغيرها من الحيوانات ، ويركز فيها على العنف الذي تتفجر به الطبيعة.




إن هيوز يرى في هذا العالم الحيواني قوى غير عقلانية قادرة على إيجاد توازن بين الإنسان الحديث المنقسم على ذاته ، والذي يرفض الاعتراف بالطاقة الحدسية العميقة الموجودة داخله ، وقوى الطبيعة التي تعد الحيوانات أقرب إليها من الإنسان. ويجادل هيوز ، في مقالته "الأسطورة والتعليم" ، في أن الإنسان الحديث أهمل عالمه الداخلي ، وكذلك طاقاته التخيلية وقواه الحدسية ، ومزق أواصره مع قوى الكون والطبيعة. كما أنه ضيّق رؤيته إلى درجة أنه لم يعد ينظر إلا إلى ما هو خارجه. ويرجع هيوز إهمال الإنسان الحديث عالمه الداخلي إلى الفهم "العلمي" الطابع للذكاء والعقل الإنسانيين.




وحتى لا يفقد الإنسان علاقته بالكون ، علاقته بذاته ، عليه أن يزيد التصاقه بقوى المخيلة ليجري حواراً بين عالميه الداخلي والخارجي.




وتوفر الحيوانات ، التي تحتشد في معظم مجموعاته الشعرية ، تمثيلاً للقوى والعناصر الكونية التي على الإنسان الحديث الإيمان بها حتى لا يغلب العناصر العقلانية في الوجود على المشاعر والانفعالات والحدس والتخيل.




عام 1970 نشر هيوز مجموعته الرابعة "الغراب" ، وتتجلى في قصائد هذه المجموعة رؤية أكثر عنفاً وقسوة للوجود الإنساني. في تلك الفترة التي كتب فيها هيوز مجموعته المذكورة (1969) كان قد فقد آسيا ويفيل وابنته منها ، وقد استخدم "الغراب" في تلك المجموعة ، التي تعد علامة بارزة في تطوره الشعري ، رمزاً للظلام الذي يخيم على الوجود الإنساني. وهكذا طغت النظرة القاتمة ، التي تقطر مرارة وسخرية سوداء ، على قصائده التي أنجزها خلال فترة السبعينيات ("طيور الكهف" 1975 ، "أغنية الفصل" 1976 ، "غوديت" 1977). ولم يتخلص هيوز من هذه القتامة إلا في قصائد المجموعة التي نشرها في أواخر السبعينيات وحملت عنوان "مورتاون" (1979) ، وقد أعاد نشرها تحت عنوان "مفكرة مورتاون" (1989) ، وكانت نوعاً من تسجيل وقائع الحياة الريفية في ديفون ، البلدة التي كان يقطنها الشاعر. بعد ذلك توالت مجموعاته الشعرية التي تمزج بين نظرته التي طورها في مجموعاته الشعرية الأولى ، حيث النظرة القاتمة للوجود الإنساني ، والمجموعات الشعرية التي تسجل متعة العيش في الريف الذي لازمه هيوز إلى الأيام الأخيرة في حياته: "بقايا أيلميت" (1979) ، "خدر الأرض" (1979) ، "النهر" (1983) ، "ما الحقيقة" (1984) ، "أزهار وحشرات" (1986) ، "مراقبة الذئب" (1989) ، إضافة إلى عدد من المجموعات الشعرية والقصصية الموجهة للأطفال. كما أنه ظل شاعر البلاط البريطاني منذ عام 1984 إلى يوم وفاته.

* الدستـــور الاردنيــة