ثنائية الموت والحياة مقال يوسف أبو لوز
ثنائية الموت والحياة
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج
57...2_92293379.gif
موت قارئ واحد جيد يبعث على الأسى أكثر من موت عشرة كتّاب رديئين .
موت موسيقي أعمى أو أصم يجعل من الموسيقا لغة إنسانية كونية بمفرده، يبعث على الحزن أكثر من غياب مئات الطبّالين والزمّارين الذين يلوثون الهواء بالدرجة نفسها التي يتلوث بها بالغبار .
موت رسام واحد رفيف القلب وخفيف الروح أصعب من رحيل شلة طويلة عريضة من مدّعي الفن . ومسرحي واحد بجسده وذاته المبدعة وصدقه المقيم في عينيه وفي صوته أفضل مائة مرة من كل لاعبي السيرك وزخرفهم الملون ورشاقتهم الكاذبة .
وصلنا الآن الى السياسيين وأشباههم ومشتقاتهم العضوية والتكوينية!
ميت في “الثورة”، وحيّ في “الثروة” .
ميت في “الخندق”، وحيّ في “الفندق” .
ميت في الأحراش والليل وعلى تخوم البلد، وحيّ في “السلطة” .
ميت في القطيعة، وحيّ في المقاطعة .
ميت في المنطقة الحمراء وحيّ في المنطقة الخضراء .
ميت في التعاضد، وحيّ في التفاوض .
ميت في المرابضة، وحيّ في المقايضة .
لا يحتاج الأمر إلا الى شاعر يجيد اللعب على المفارقات لا أكثر ولا أقل لكي يرسم صورة بعض السياسيين ليس في رقعة الوطن العربي وحدها، بل، في العالم كله، فالرموز الجميلة في حياة الإنسان يبدو أنها سريعة الذوبان والتبخر، وهكذا تتلاشى بسرعة . . تموت وتختفي كالأزهار والفراشات، وتبقى تلك “الأشياء” الثقيلة التي تترسب في القاع . . قاع الحياة، وقاع الثقافة، وحتى قاع الذاكرة .
قصة قصيرة هذه التي تقارب بين الموت والحياة، يكثفها، على سبيل المثال، موقف ستالين عندما كانت موسكو مهددة بالسقوط تحت فوهات مدافع حلفاء الحرب العالمية الثانية، حيث وقف أمامه ضابط يرتجف من الخوف ويشير عليه بالاستسلام، أي الموت، لكن ذلك الرجل من ذلك الزمان واصل تدخين غليونه بهدوء، وتذكّر أن الشعب الروسي ترتفع درجة حرارته حتى في سيبريا إذا تعلّق الأمر بالموت من أجل الحياة .
في فلسطين وفي العراق وفي لبنان . . المثلث العربي الحار جداً والمتقلّب والملتبس جداً، يحتاج العربي في هذه الجغرافية الى الحياة والصدق والجمال، ولذلك، وهنا المفارقة، يقل الموتى ويكثر الأحياء .
موت بطل واحد، أحياناً، أقسى من موت بلد بأكمله .