التأرجح بين أصالة مريضة فقدت توازنها وحداثة لم تأت
التأرجح بين أصالة مريضة فقدت توازنها وحداثة لم تأت
د. ميسون العتوم
* الدستور الاردنيــة
* الملحق الثقافي
58...967_241600.jpg
هذه دراسة سوسيولوجيّة بعنوان "البناء الثقافي الاجتماعي لحقيقة المرأة في مجتمع مدينة عمّان" ، وتتناول موضوع المرأة في مدينة عمّان بوصفه رهاناً للصراع بين قوى التقليد والحداثة ، بهدف التعرّف إلى الرؤية المهيمنة للمرأة العمّانيّة من حيث الدور والمكانة والصورة. وهي أطروحة قُدّمت لنيل درجة الدكتوراة في علم الاجتماع من الجامعة الأردنية.
أشارت الأطروحة إلى أن المرأة ، في مدينة عمّان ، برغم الخطوات التي قطعتها باتجاه الحداثة ، ما زالت تمثّل حالة من الغياب والاستقالة من الفضاء العام ، تتجلى في مستويات عديدة ، لا سيما على مستوى العمل والجسد واللباس ، وأخيراً على مستوى الصورة. فالمرأة العمّانيّة خرجت إلى العمل ، لكنها لم تقتحم المجال العامّ لأنها عملت ـ على الأغلب ـ في المهن التي تعيد إنتاج دورها التقليدي أماً ، حيث الْتزمت التقسيم الاجتماعي التقليدي للمرأة على اعتبارها مكانة وفضاء شرعياً.
وانطلقت الأطروحة ، التي أشرف عليها أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. إبراهيم عثمان ، من فرضيّة أن مفهوم المرأة ، أو الأنوثة ، ليس معطى بيولوجياً أو طبيعياً ، إنما هو بناء تاريخيّ وثقافي واجتماعي صنعته قوى الهيمنة المتصارعة في المجتمع.
الأطروحة تناولت آليات تقسيم العمل والفضاءات ، وفرض مفهوم شرعي للجسد واللباس ، والكيفيّة التي يتم من خلالها تمثُّل صورة المرأة نمطياً في عيون الناس. وجمعت الدراسة بين الجانب النظري والجانب الميداني. وبناء عليه ، استُخدًم أسلوب الملاحظة بالمشاركة ، كما تم الاعتماد على المقابلات الحرّة والمعمّقة.
أمّا مجتمع الدراسة ، فشمل جميع الذكور والإناث من سكان مدينة عمّان ، من عمر عشرين عاماً إلى عمر خمسة وستين عاماً ، من كلا الجنسين ، ومن مختلف المستويات الاجتماعيّة والمستويات التعليمية ومختلف الحالات المدنيّة والمناطق الجغرافيّة.
صورة الأم.
أما على صعيد الجسد ، فبيّنت الدراسة أن جسد المرأة ما يزال ـ على الأغلب ـ يخضع لمفهوم الجسد الممتّد ، والخاضع لسلطة الدين والأعراف العشائريّة ، على اعتباره جسداً شرعياًّ ، وهو مفهوم يستدعي إسباغ معانيه على أنماط اللباس: فاللباس ، بالضرورة ، سوف يعكس الرؤية المهيمنة ، ويعكس قيمها ورموزها ، أو رؤيتها (على اعتبار اللباس أحد مظاهر الجسد وتجلياته). فكان الحجاب الحديث ، بمختلف أنواعه وأشكاله ، اللباس الأكثر قبولاً وشرعيّة وتمثيلاً في مجتمع الدراسة.
وعن الصورة المهيمنة للمرأة في مدينة عمان ، يستنتج اللقارئ أنّ "حدودها رُسًمت تبعاً للمبحوثين ، فكانت أقرب إلى صورة الأم ، أو صورة الفتنة ، حيث كانت تُرجع المرأة إلى الطبيعة وإلى الخاص ، وتختزلها في كل مرّة بالجسد". ثمة صورة ثانية بدت خافتة ، أو أقل تمثيلاً: فقد مثّلت المرأة في إطار حقوق الإنسان وما يترتب على هذا المفهوم من حريّة ومساواة وديمقراطيه ونبذ للتمييز بين الجنسين. وهذه الصور يمكن تعميمها "بوصفها صوراً مهيمنة على مجتمع الدراسة بالتناسب طردياًّ مع انخفاض مستوى التعليم ومستوى الدخل وارتفاع نسبة تمثيل الذكورة." وكلما اقتربنا من المناطق الشعبيّة (عمّان الشرقيّة) ، وكنا ازاء طبقة فقيرة ورجال من عمر مرتفع ومستوى تعليم منخفض ، اقتربنا من هذه الرؤية المهيمنة. فيما كلما ارتفع المستوى الاجتماعي ، وكنا إزاء نساء شابات ومن مستويات تعليميّة مرتفعة ابتعدنا ، شيئاً فشيئاً عن هذه الرؤية ، وأصبحت إعادة إنتاجها ضعيفة".
إذن ، سنرى أنّ "فرضيّة أنّ الحداثة جاءت بفكر التنوير ، وحملت راية العلم ، لا يمكن ردّها أو الشك فيها. ولكن علينا أن لا ننسى أنّ الحداثة ، وبدعم من العلم ، أرادت أيضاً أن تهيمن. فالعلم وامتلاك المعرفة ، والقدرة على فك الرموز ، وتقديم الحلول وفرضها ، هي ، في حدّ ذاتها ، سلطة وأداة للسيطرة. فالحداثة لم تأت لتبني فقط ، بل جاءت لتهدّم وتدمّر وتهيمن."
وهذا ما أثبتته ، بوضوح ، الكثير من الدراسات التي قامت بوصف هذا التدمير الذي لا يرمّم. ففي الانبتات ، وهو من البحوث الذي أصبح يعدّ من الدراسات الكلاسيكيّة في السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا ، بيّن بيير بورديو(Pierre Bourdieu) ، وعبد الملك صيّاد كيف عملت الهيمنة على ضرب الاقتصاد المحلّي من تدمير زراعة الفلاحين ، وإلغاء ملكياتهم الجماعيّة ، وبلترتهم ، وتهجير البدون وتوطينهم وإجبارهم على الاستقرار لتسهيل مهمّة المراقبة والاحتواء والتدجين.
ممّا لا شكّ فيه ولا جدال أن الرّأسمالية ، أو اقتصاد السّوق ، أو الإمبريالية ، التي تحاول في كلّ مرّة أن تعرّف نفسها بما ليست هي ، وأن تقدّم مشروعها على أنه التقدّم والتطور والأنوار والحداثة ومجتمع المعرفة ومجتمع العالم أو العولمة.. ممّا لا شكّ فيه أن هذه الهيمنة قد أحدثت شروخاً وتصدّعات هائلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من الاقتصاد البسيط أو الاقتصاد المحلّي.
مجتمع مدينة عمان
ومن الملاحظ أن هذا الصراع الهائل بين الأصالة والحداثة ما زال على أشدّه على مستوى القيم والرؤى والمعاني والتمثلات ، أي: على مستوى الثقافة. فما زالت قوى التقليد تواجه وتجابه وترد عن طريق إعادة إنتاج الأصالة والتراث والتمترس وراء القديم بطرق وأساليب مختلفة وبأشكال عنيفة وهستيريّة أحياناً. وما زالت مدينة عمان متأرجحة في حالة ترقّب قد طال بين أصالة مريضة فقدت توازنها ، وحداثة تبدو قريبة ومتاحة لكنها لم تأت.
لقد انصبّ اهتمام هذا البحث على دراسة المرأة بوصفها جزءاً من رهان هذا الصراع بين التقليد وبين الحداثة في مجتمع مدينة عمّان لاعتبارات كان منها أن تلك العاصمة مثلت ، كغيرها من المدن العربيّة ، مسرحاً غنياً لتجلّي الظاهرة. فهي مدينة مفتوحة على الحداثة والغرب واقتصاد السوق ، وفي الوقت ذاته هي متأصلة في التراث وقيم الأصالة والتقليد. لذلك كان البحث في المرأة يركّز على جزء ولكن ضمن كلّ ، أي: على عمليّة الصراع بين نظامين يحاول كل منهما إجبار الآخر على الاستقالة والتخلي ، ويحاول كلّ منهما ترك بصماته وفرض معانيه ورؤاه ورواياته وأساطيره وطقوسه على هذا الفضاء العموميّ المتنازع عليه أي: جسد المرأة ، لكسب الرهان وحسم الصراع.
لقد توصلت الدراسة إلى نتيجة كبرى مفادها أن المرأة في مجتمع مدينة عمّان بقيت ، برغم امتثالها لآليات الحداثة وانخراطها في ميادين جديدة في التعليم والعمل ، تمثل ـ على الأغلب ـ حالة من الغياب على مختلف المستويات. ونخص بالذكر المحاور الأربعة التي تم تناولها والتركيز عليها في هذه الدراسة ، والتي تمثّلت في التعليم والعمل واللباس والجسد والصورة.
فعلى صعيد التعليم والعمل ، نجد أن المرأة العمّانية ، التي قطعت خطوات كبيرة باتجاه التعليم ، رجعت بعد التخرج إلى البيت لتتفرغ إلى دور الأم. وأنّ من خرجت من نساء مجتمع الدراسة إلى العمل لم تتعد ذلك الدور. حيث اشتغلت ـ على الأغلب ـ أمّاً ، ولكن بأجر ، وخارج المنزل. إذ عملت معلمة وحاضنة وممرضة وخادمة وطبيبة ، ملتزمة في ذلك كلّه التقسيم الاجتماعي للعمل ضمن الأدوار والوظائف والفضاءات "الشرعيّة" الخاصة بالمرأة. وهي ، وإن عملت ، في حالات قليلة في المجال العام أو السياسة ، إلا انها لم تنافس الرجل على المناصب العالية والرفيعة. وإن من تمكّنت من الوصول إلى بعض الوظائف العالية لم يكن ذلك بجهدها الخاص أو بتزكيةْ ودعمْ من المجتمع ، بل أُقحًمت في ذلك الفراغ إقحاماً ، وبدعم من الدولة ، باستثناء حالات خاصة وقليلة جداً ، لتبقى الساحة العامّة حكراً على الرجال. ذلك أنّ آليات القولبة والتطبيع ضمن الهندسة الاجتماعيّة لتقسيم الأدوار ، ما زالت تعمل بقوّة من خلال المدرسة والزواج والفضاء والخطابات التقليديّة. وهذا الخطاب يلاقي الدعم والتأييد من النساء والرجال على حد سواء. وبالتالي فإن مشروع المرأة المواطنة بقي ضعيفاً وخجولاً لا يظهر إلاّ من خلال بعض الخطابات الحالمة والمتمثّلة في فئة قليلة كانت تمثلها بعض النساء من ذوات التعليم العالي ، وفئة قليلة من الرجال المثقفين ، ومن طبقات متوسطة أو عالية ، ومن سكان عمّان الغربيّة.
أما على مستوى الجسد ، فبينت الدراسة أن كفّة الجسد الممتد ، هذا الجسد الغائب والمؤيّد والناطق الرسميّ باسم الأصالة والمحلّي ، هو الجسد الأكبر والأوسع انتشاراً والأقوى هيمنةً من بين جميع الطبقات والفئات على الإطلاق. وهو ، وإن اختلفت درجة استبطان معانيه وتمثلاته وتجليّاته على مستوى الممارسة ، فإنه يبقى الجسد الشرعي السائد في مجتمع الدراسة. هذا مع ضرورة التنبيه إلى حقيقة أن مجتمع الدراسة لم يخل من أنماط متباينة من الأجساد التي تعدّدت بتعدّد الرؤى والتمثّلات لجسد المرأة في مدينة عمّان. حيث تم الخروج بثلاثة تصنيفات رئيسيّة للجسد مثلت التوزيع القائم للمعاني الثقافيّة المختلفة بناء على أن الجسد حقيقة تاريخيّة يتم بناؤها عبر آليات وقنوات الهيمنة وأدواتها.
حداثة رأس المال
أما النمط الثالث ، فتمثّل في جسد حداثة رأس المال أو حداثة هيمنة التجارة والشركات وثقافة الاستهلاك ، أو ـ كما اصطلحنا على تسميته بالجسد الفتيش. وهو جسد ذو بعد وظيفي بحت يختزل حاملته بمعاني الإغراء وجلب الأنظار. ويجد أهميّته وحضوره في حتفاء المجتمع الاستهلاكي به. فتعوّل عليه صاحبته بشكل كبير في اكتسابها السلطة في مجتمع يختزل المرأة بالجسد ، متعةً أو رغبةً جنسيّة ، إلى حد كبير.
وقد تَمثَّل ، على الأغلب ، في فئات ليست بالقليلة ، ولكنها لم تمثّل الفئة السائدة. وكانت من بين الطبقات المتوسطة ، وبنسبة عالية بين النساء من الطبقات الغنيّة. وفي النتيجة ، يمكن القول إن الرؤية السوسيولوجيّة التي تبني وتعيد بناء المرأة في الجسد ، على اعتبارها رغبة أو سلعة ، سواء في عيون من ينادون بإخفائها لأنها تمثل عورة وحرمة وفتنة ، أو في عيون الذين يتاجرون بها على اعتبارها دمية مستهلًكة ومُستَهلَكه ، فيمعنون في تزيينها وتنميقها وتعريتها وإظهارها. وفي كلّ هذه الحالات تنتمي هذه الرّؤية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى هذه الفلسفة القديمة الحديثة التي صاغت المفهوم التقليدي للمرأة. وهو المفهوم ذاته الذي نجده في أشعار الغزل الجاهلي أو في حكايات ألف ليلة وليلة ، منذ العصر العباسي حتى يومنا هذا.
أما على مستوى اللباس ، فبيّنت الدراسة أن الهيمنة التي مثلت خطاب الحداثة هي ذاتها التي وزّعت المعاني وفرضت التصنيفات. وكانت في كلّ مرّة تعرّف نفسها بالإيجاب وتعرّف الآخر بالسلب. فكان من نتائج هذه الهيمنة الانهيار الدراماتيكي السريع للّباس التقليدي الذي تراجع وبدأ ينقرض شيئاً فشيئاً ، وصار يبحث لنفسه عن مكان في المعارض الفلكلورية والمتاحف ودور التراث.
وعلى أنقاضه ، ظهر الحجاب الحديث أو اللباس العصريّ بأشكاله كافة. لقد مثّل الحجاب الحديث ، بأنواعه وأشكاله جميعاً ، اللباس المهيمن في مجتمع الدراسة ، وهو أحد الرموز القوية النّاطقة باسم هذا الجسد الغائب الذي حلّلناه سابقاً. فالأزمة التي أعادت المرأة إلى الفضاء الخاص هي نفسها التي صنعت الحجاب الحديث تعبيراً واضحاً عن هذا النكوص أو عن هذه الاستقالة. فالثقافة التي فشلت في صنع الحداثة ارتدّت إلى القديم لتختبئ في ردائه ، والمرأة التي فشلت في ولوج العام استقالت منه وعادت إلى الخاص المغيّب في ظل حداثة شرسة تضرب القديم ولا تُقدّم البديل. فظهر الحجاب الحديث باشكاله ودلالاته كافة ليعكس هذه الرؤية ويعبّر عن هذه الرّدود. إن الحداثة الموعودة لم تأت ولم تُقدّم بديلاً سوى زرع الحاجة إلى الاستهلاك ، والرّغبة في شراء السّلع المكدّسة في كلّ مكان من أرجاء المدينة. وهي الثقافة التي انتجت ما دعوناه ، سابقاً ، بالجسد الفيتيش (Fetich) ، وهو الجسد الذي يعبّر بطريقة جليّة عن قيم السوق التي استبطنها. ومن ضمن هذا التأثر الهائل بثقافة السوق والاستهلاك ، يمكن أن نشير كذلك إلى الجينز(Jeans) ، وإلى الميني جيب (Meni jupe).
أما صورة المرأة ، فلقد وقع بناؤها وتشكيلها وصياغتها من الأصالة أكثر منها من الحداثة ، حيث إنّها جاءت لتوسيع الهوّة بين الجنسين ، وعلى المحافظة على التقسيم الاجتماعي اللامتكافئ للعمل ، وعلى إعادة إنتاج تقسيم الفضاء كما بيّنا سابقاً. فجاءت الصورة لتكرّس الرؤية المهيمنة التي صنعت من المرأة أمّاً وأمّاً فقط ، لا مكان لها سوى البيت والشأن الخاصّ ، أو موضوعاً للرّغبة والشّهوة. تلك الصورة هي التي فرضت على المرأة حالة من الخضوع والغياب والتهميش ، وهي التي هيمنت على الساحة العموميّة ، وتغلغلت في الحسّ المشترك فبدت واضحة الخطوط والمعالم في عيون النساء ، كما في عيون الرجال وتمثلاتهم. ولم نجد فروقاً جديّة تذكر إلاّ لدى البعض ممن كان منتمياً إلى طبقات عليا ، أو متمتّعا بمستويات تعليميّة وثقافيّة عالية. فهؤلاء الحالمون من النساء والرجال هم الذين يحاولون أخذ المسافة من هذه الصورة المهيمنة للمرأة.
حداثة تتحدّى وأصالة تقاوم
لقد بيّنت الدراسة أن صناعة المرأة في مدينة عمّان تمثل رهاناً للصراع بين قوّتين كبريين ، بين حداثة تتحدّى وأصالة تقاوم بشراسة. ومن الملاحظ أن المرأة التي تعيش في خضمّ هذا الصراع الهائل بقيت كما صنعتها الأصالة أو المرأة الفتيش ، أي: التي بقيت تحتفظ بتعريفها التقليدي ولكنّها استعارت من الحداثة مظاهرها الاستهلاكيّة والماديّة لتشكل بذلك انموذجاً فقيراً ورثّاً لمظاهر حداثة شكليّة وسطحيّة. ومن الملاحظ ، أيضاً ، أنّ ثقافة الحداثة الحقيقيّة التي ظهرت في عصر الأنوار بقيت محاصرة ومقتصرة على نسبة ضئيلة من المثقفين الحالمين والمهمّشين ، ما يعني أن الوجه العام الذي يمكن أن تعرّف من خلاله المرأة بقي يعيدها ، في كل مرّة ، إلى الشأن الخاص ، أو بمعنى آخر إلى الغياب والتهميش كما هي الحال مع الأسوَد والطفل والمهاجر.
لقد دمّرت الحداثة الاقتصاد المحلّي والكثير من مظاهر الأصالة في الوقت الذي طال الانتظار لحداثة أخلّت بوعودها ، ما خلق حالة من المواجهة انتهت بإعادة صناعة التقليد ، تلك الصناعة التي راجت في ظل ظروف التعاون التي تمت بين الإمبرياليّة والقوى الرجعيّة ، ونتج عنها تلك الحالة المرضيّة ، أو المفصومة من الثقافة. هذه النتائج التي توصّلنا إليها من خلال هذا البحث الميداني بمدينة عمّان ، يمكن أن تحيلنا إلى أعمال إبداعية وتذكّرنا بمرارة المصير الذي كان يتربّص أبطال روايات عربيّة أرادت أن تعبّر عن هذه الخيبة وعن هذه الأزمة من خلال أدوار من حملوا راية الحريّة وأرادوا أن يحلموا بشرق تقدمي يضيق فيه التمييز والاضطهاد ، وتتسع فيه حقوق المواطنة ، وتهبّ فيه رياح الحريّة. فهذا مصطفى سعيد ، البطل المتشبّع بمبادئ الحداثة ، نراه في موسم الهجرة إلى الشمال للطيّب صالح يعود إلى السودان على أمل إحداث تغيير ، ولكنه لا ينجح إلاّ بتعليم الفلاحين بعض تقنيات الزراعة الحديثة ، ثم يختفي من القصّة ويذوب كالملح. وهذا رجب في شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف يعود من فرنسا لكي يقاوم من أجل أن يحلم ومن أجل أن يبدع ، فيسجن ويموت تحت التعذيب. وفي رواية أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد لا يتزوّج البطل الفنّان ، والمثقف والحالم ، بمن أراد. بل تنتهي الرّواية بزواج البطلة من رجل عسكريّ فاسد ، وقامع للحريّات. وهي إشارة إلى ما آلت إليه مصائر الشعوب التي كانت مستعمَرة وتحلم بالحريّات والتخلص من قمع المستعمرين لتقع فريسة حداثة كاذبة ومزيّفة ومتنكّرة لمبادئها التي طالبت بها ودافعت عنها.
برغم كل هذه الضربات الأليمة والموجعة ، التي سدّدتْها إلى الاقتصاد المحلّي ، وكلّ هذه التصدّعات التي أحدثتها في بنية المجتمع التقليديّ ، فلقد فشلت الحداثة فشلاً ذريعاً في زلزلة الكيان الثقافي للتقليد. لا بل هذا الترقب من دون نهاية لحداثة لم تأت ، أو تحقيق حداثة حقيقيّة ، هو الذي أرجعنا بقوّة إلى خلق التقليد وصناعته من جديد وبطرق مختلفة. أو ، بتعبير أدقّ ، إلى شكل من صناعة التقليد في قالب حديث مناوئ للحداثة. وبقيت الأصالة تناور على رهان المرأة ، وبقيت القوى التقليديّة والرؤى السلفيّة تتخذ من المرأة واللغة معقلاً أخيراً لدفاعها الهستيري. فهي تعلم أنها إذا ما خسرت ذلك الرهان خسرت المعركة كلها.
خطوة صغيرة
إن بحثنا هذا ليس إلاّ خطوة صغيرة وقطرة ماء في بحر باتجاه استجلاء بعض الحقائق السّوسيولوجية والأنثروبولوجية التي قد تعين المواطن العربي ، بصفة عامّة ، والمواطن الأردني خاصة ، على فضح وتعرية هذه الهوّة الفاصلة بين الجنسين. فيكون هذا البحث مساهمة تساعد في مواصلة البحث ، وفي القيام ببحوث مستقبليّة حول هذه القضية التي تعيق على مستوى التنمية ، وعلى مستوى حقّ المواطنة ، وإرساء الديمقراطيّة في هذه المناطق من العالم. فلا بد ، إذن ، من مواصلة البحث في الصراع بين الأصالة والحداثة ، والتعمّق في دراسات من بحثوا في هذا المجال ، أو طرقوا هذا الباب كإدوارد سعيد ، وعبد الله العروي ، والجابري ، والطيب تزيني. وذلك بهدف استجلاء الأفق بما يخص موضوع المرأة ، والكشف عن البنى والمكونات الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة والثقافيّة التي من خلالها تمّت صناعة المرأة في مثل هذه الفضاءات ، ما سوف يستدعي دراسات جديّة للأسرة والمدرسة والزواج ، وكل آليات الهيمنة والتطبيع الاجتماعي. كما يستدعي بحوثاً معمّقة في مواضيع فرعيّة كموضوع المرأة واللغة ، أي: كيف نتكلم عن المرأة ونصوّرها من خلال اللغة ، أو موضوع المرأة والمواطنة ، والمرأة في الجسد ، والمرأة في السياسة ، والمرأة والفكر السلفي إلى غير ذلك من المواضيع التي قد تنير لنا السبيل. فهي ميادين لا بد من طرقها إذا كان همّنا الوصول ، فعلاً ، إلى فهم صحيح لمثل هذه القضيّة ، واللحاق بركب هذه الأمم المتقدمة التي تعير اهتماماً بالغاً للعلم ولصانعيه.