دمعة في آخر محطة مقال ابراهيم صبحي مشهراوي
دمعة في آخر محطة
ابراهيم صبحي مشهراوي
* منبر القراء
* دار الخليج
ها هو حفيف الأشجار يبعث أصواته عبر نسمات الهواء . . فتتساقط أوراقه لترسم على الأرض لوحات أرجوانية جميلة مع الأغصان العارية الواقفة والتي تنتظر الموسم الجديد لتلبس الثوب الجديد، والبعض الآخر يتساقط في النهر ليعبره إلى الطرف الآخر متماوجاً كلوحة فنان عاشق للحياة، حينها كانت أسراب الطيور تهاجر من مكانها في لوحات شاعرية تؤدي رقصات مع تغريدة فريدة، رغم الجمال الخلاّب، فإن خلف كل شجرة همسة وقصة . . بسمة وذكرى . . ومع كل رقصة وتغريدة تحكي رحلة عجيبة غريبة، تنحدر من العيون الدمعات . . دمعات الشوق والحنين للماضي القريب، ليتكئ الواحد منّا على صبره وحنينه ليتوقف القطار في محطته الأخيرة ليأخذ قسطاً من الراحة ويجهز نفسه من جديد لرحلة لا يعرف متى تنتهي، فيترك الأمر إلى آخر مسافريه على تلك البقعة الجميلة . تفيض عيناه بالدمع لتحفر على وجنتيه جداول تحكي قصصاً خلف خطوطها، فكلما مرّ على محطة تذكر حاله وما عليه وما تحمل له من ذكريات وهمسات، فالفراق صعب والوحدة أصعب والشعور بالذنب والتقصير قلّ من يعترف بها . . يتركها تخلد في أنين وصمت تعبّر عنها صدق الدمعات، فمد يده اليمنى يصرخ “ولدي أرجوك لب ندائي . .
ولدي إني بحاجة إليك الآن أكثر من أي وقت مضى”، صوته يدوي في الفضاء الرحب، فلا مجيب ولا مغيث . تحجّر القلب ونسي الولد والده وتركه خلف ظهره ونسي سنيّ عمره . . ولدي كم ليلة بتّ في حضني . . سهرت عليك تفطّر قلبي خوفاً عليك . . كم ثانية ودقيقة وساعة منحتك من عمري وشبابي . . ولدي اشتد ساعدك فرميتني”، ولدي استفق من سباتك وتذكّر وتفكّر وتدبّر نِعَم الله عليك . . ولدي لا تكن كابن نوح وكن كإسماعيل ابن إبراهيم وتذكّر قول لقمان الحكيم .
ولدي رغم كل شيء أخاف عليك من نسمة الهواء . . أفديك . . أفديك بعمري . . ولدي فلذة كبدي يا ربيعاً دائماً يهديك الله ويحميك .
أغمض عينيه مع تساقط آخر ورقة في آخر محطة وقف بها القطار ليتركه على تلك البقعة الجميلة بقلب رحيم ناسياً كل شيء أليم .
رد: دمعة في آخر محطة مقال ابراهيم صبحي مشهراوي
رد: دمعة في آخر محطة مقال ابراهيم صبحي مشهراوي
شاكــرة حضوركــ الادبي ،،
دمت برقي،،