شعراء إماراتيون يستذكرون عبدالوهاب البياتي
بعد 11 عاماً على رحيله
شعراء إماراتيون يستذكرون عبدالوهاب البياتي
61.../01/110939.jpg
إحدى أضلاعه إلى جانب كل من نازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، وإن كانت نتاجات البياتي قد تأخر إصدارها عن نتاجات هؤلاء، حيث نشر ديوانه الأول “ملائكة وشياطين” في العام ،1950 بينما نشر أقرانه دواوينهم في العام ،1946 إلا أنه كان ذا حضور لافت في عالم الحداثة .
ولد عبدالوهاب البياتي في العام 1926 وهو العام نفسه الذي ولد فيه كل من السياب وبلند الحيدري، ما جعل بعضهم يسميه “عام العبقرية العراقية”، ونال البياتي إجازة في اللغة العربية، ومارس العمل الصحافي في العام 1954 في مجلة “الثقافة الجديدة”، التي سرعان ما أغلقت، وأبعد البياتي عن عمله، كي يعيش تجربة الاعتقال إلى حين، وتبدأ بعدها رحلته مع المعاناة، ويضطر إلى الهجرة بسبب مواقفه الجريئة، ويتنقل بين أكثر من بلد عربي وأوربي مثل: القاهرة- التي أقام فيها ما بين عامي 1970-1980 ومن ثم اسبانيا وموسكو والأردن ودمشق التي توفي فيها في 3 اغسطس/ آب ،1999 وكان قد أوصى بدفنه إلى جانب ضريح محي الدين بن عربي في أعالي جبل قاسيون، وكان جد معجب برؤى هذا الشاعر الصوفي العربي .
واستذكاراً لهذه القامة الإبداعية العالية، وبمناسبة ذكرى رحيل البياتي التي تصادف غداً التقينا عدداً من الشعراء الإماراتيين الذين بينوا دوره وأهميته كشاعر عربي كبير، أثر طويلاً في الأصوات الشعرية التي تلته بل عاصرته في آن واحد .
الشاعر عبدالله عبدالوهاب رأى أن البياتي من كبار شعراء الحداثة عربياً، وأنه لو تتبعنا الرواد الأول للحداثة لوجدنا اسمه إلى جانب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري، وأن هؤلاء الأربعة يمثلون كبار الحداثة الشعرية، وإن كنا نعتبر الآن محمد الماغوط وأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج شعراء أبدعوا في مجال الحداثة العربية، فإنه لا يمكن أن نعدهم ضمن أطر جغرافية محددة .
إن غياب أي شاعر، يعني أن شيئاً جد جميل فقدناه، بالرغم من أنني-في المقابل- أرى أن غياب الشاعر هو حضور له بشكل آخر، لأن القصيدة حين يكتبها الشاعر تعيش حياتها الخاصة بعد رحيل كاتبها، لتظل ممتلكةً لكافة مقوماتها، وإمكانها ومقدرتها على التأثير .
فالقصيدة لا تغيب بغياب الشاعر، مادام كل شعراء العالم يكتبون قصيدة واحدة لما تكتمل بعد، وبعيداً عما يسمى “مديح الموتى” فإن شاعراً كبيراً كالبياتي له حضوره حتى في غيابه، وسنظل تلاميذ في مدرسته، ولا بد ومن باب العرفان أن نستذكر أصحاب القامات العالية، ألم يقل بول فارلين لرامبو حين عرف أنه شاعر: أيتها الروح الكبيرة العزيزة نناديك ونبارك لك؟ وهو ما ينبغي قوله للبياتي في غيابه، مادام الموت في جوهره بداية لحياة أخرى . وتابع عبدالوهاب قائلاً: الشاعر حين يكتب ويترجم معاناته وقلقه والتعبير عن ذاته إنما هو ترجمان لمسيرة الشاعر -أياً كان- في أية بقعة من العالم، ولقد كان البياتي -في حقيقته- منارة في الشعرية العربية بشكل عام، وهو أحد الآباء الروحيين للحداثة الشعرية .
الشاعرة الهنوف محمد رأت أن مجرد استمرار المبدع في التأثير بعد رحيله، يجعل منه يعيش بين ظهرانينا، وتستمر رسالته الإبداعية، ولا سيما عندما يكون من طراز البياتي طافح الحضور، بل طافح الإبداع والحياة . وتابعت قائلة: أتذكر أنني التقيت الشاعر البياتي، عندما كان في زيارة إلى دولة الإمارات، وهو ما جعلني أشعر آنذاك بالغبطة التي لا تزال تهيمن علي حتى اللحظة، وأنا في حضرة اسمه وذكراه وإبداعه، لأنني كنت موقنة في قرارتي بأنني في حضرة القصيدة نفسها، وكيف لا مادام البياتي من هؤلاء الشعراء الكبار الذين لا يتكررون؟
إن تأثير البياتي سيظل مستمراً في جيلي الشعري، بل الأجيال القادمة لأنه من هؤلاء الشعراء الذين لا يستنفدون، فهو من المؤسسين الحقيقيين للقصيدة الجديدة، القصيدة التي هي الشعر نفسه، وأنه من قلة من مبدعينا الذين بثوا الروح في المفردة، بعيداً عن دلالاتها المعجمية، فالصورة الشعرية في قصيدته مبهرة، مدهشة، وعندما أقرؤه أحس بأن روحي تتعافى، لأنها أمام بلسم، أجل بلسم، طالما كانت تبحث عنه في مواجهة التصحر الذي يريد أن ينال منها، إنه باختصار واحد من مبدعين بارزين في تاريخ الحداثة الشعرية عموماً .
ورأى الشاعر أحمد العسم أن البياتي أحد أعمدة الحداثة العربية، وهو ممن أسهموا في تحولاتها الشعرية، من خلال إمكاناته العالية التي سرعان ما تظهر لقارىء تجربته، حيث لها أبعادها وآفاقها وسطوتها .
واختتم شهادته قائلاً: لا شك في أن غياب هذا الشاعر جد مؤثر، لأن مركب الشعر لديه مختلف ودافق ومتميز، إلا أن ما تركه لنا من تراث إبداعي كبير ليخفف من صدمة الفجيعة برحيله، وهو شأن المبدعين الكبار بلا ريب .