يموت الجسد ويبقى الشعر
د.عاطف البطرس:صدقت أني مت يوم السبت
* الثورة السوريــة
قلت علي أن أوصي بشيءٍ ما
فلم أعثر على شيء
وقلت: علي أن أدعو صديقاً ما
لأخبره بأني مت
لكن لم أجد أحداً
وقلتُ علي أن امضي إلى قبري
لأملأه فلم أجد الطريق
وظل قبري خالياً مني
ليس غريباً أن يتحدث الشاعر عن موته القريب، أما أن يحدد يوم وفاته فذلك منتهى الغرابة.. هل هو استشراف شفيف أم نبوءة؟!... الموت لا مهرب منه
«من أنا لأخيب ظن العدم؟ من أنا؟ من أنا؟»
مريض القلب محمود درويش الذي جرب الموت، يمارس لعبة الانتظار. أما أن يحدد يوم وفاته يوم السبت فهي النبوءة التي سبقتها نبوءات كثيرة للشاعر منها مثلاً ما حصل في بيروت عام 1982...
تماهي القضية الفلسطينية، وحكاية المقاومة وخروجها من بيروت، معادل لنبوءة درويش في تحديد يوم رحيله.
وهكذا وإلى الأبد أطاح محمود درويش بكل ألواح الوصايا ونام احتجاجاً على تجربة شعبه المغمسة بالمرارة والألم.. لم يتسع القلب لكل ما رآه هو الذي قال: «وداعاً للذي سنراه».
http://thawra.alwehda.gov.sy/images/704/18.jpg
بهذا الهدوء المفتعل، المشبع بلحظات الترقب، المضمخ بحس الفجيعة القادمة مع رياح الغزو وعبر موجات التوتر المتسترة تحت ضغط نزف الجرح. يكتب درويش قصيدته النبوءة «بيروت» قبل عام تقريباً من حدوث الفجيعة راســماً من خلالها جغرافيا الزمان العربي عارضاً رحلة الشعب العربي الفلسطيني التاريخية مع كل من وقف جنبه في محنته.
تفاحة للبحر.. نرجسة الرخام.. رائحة الغمام.. وفاة سنبلة.. تشرد نجمة.. بيروت.
مجموعة من الصور يقدمها الشاعر لمدينته بيروت على شكل لقطات سينمائية تساق في شريط خاطف يثير في النفس مجموعة من التداعيات والانفعالات، يحرك فيها عاطفة غافية، الصورة هنا لا تقصد بحد ذاتها، لم تذكر للبرهنة على قدرة خالقها. إنها تحمل انفعالاً مشحوناً يترسب بشكل تراكمي، ليؤدي في النهاية إلى التحول الكيفي مفجراً حس الملتقى.
لا يمكن هنا جمع الصور بطريقة حسابية، فالحالة المولدة لدى القارئ، ليست مجموع هذه الصور المتنوعة أحياناً، المتناقضة أحياناً أخرى، بل هي حاصل تفاعل كل الصور المقدمة، الصورة هنا ترتفع لتخلق جواً إيحائياً خاصاً، إنها في تفرقها وتنوعها تشكل وحدة نادرة لمدينة سيذكرها التاريخ بكل الفرح المغموس بألوان الحزن، كل صورة لبنة، ومجموع اللبنات يشكل البناء المتكامل، وقد سالت روح الشاعر المتكسرة مادة لاصقة تجمع هذا الحشد من الصور في تناغم عجيب يؤكد مقدرة الشاعر وغنى تجربته الفنية على تقديم شكل بنائي عن طريق حشد من الصور مبتعداً بذلك عن مستوى السرد والأخبار.
أكمل الأشياء أكثرها بساطة
-------------------------------------
يعتمد الشاعر في تقديم صوره على مجموعة من الكلمات، وهو يعي تماماً لغته الخاصة، ويعرف أن الشعراء قد يبتعدون عن لغته لينظفها من الماضي ومنهم، وهو يدرك أيضاً أن الكلمة في الشعر عليها أن توحي أكثر مما تقول. أن تعد أكثر مما تفي، كلماته في القصيدة يومية، بسيطة كصليب، منسرحة كسهول حنطة يلفها الضباب، حارة كدماء بيروت، معروفة كوجوه المقاتلين، إنها لغتهم البعيدة عن محنطات القواميس اللغوية، إنها لغة الحياة، الشارع، البندقية، الغزالة.
ليست لغة أرستقراطية تسكن شارع الحمراء بل هي لغة أبناء صبرا وشاتيلا، مفهومة ولكنها رغم شيوعها، من الصعب جداً تقليدها، ففي كل القصيدة لا نعثر على لفظة واحدة لا يمكن للإنسان العادي أن يستوعب معناها، إن سهولة الكلمات ويسرها وبساطتها تقترب من حدود الإعجاز. إن بساطة درويش تطرق باب الكمال أوليس أكمل الأشياء أكثرها بساطة؟ هذه البساطة ليست إلا قناعاً فنياً لا يحسن استخدامه والوصول إليه إلا كبار الشعراء الذين خبروا الكلمة وأحسنوا تشكيلها وعانوا ألم مخاض توليدها وتعبئتها بقدرات جديدة، إن الشاعر بلغته هذه وبساطة أداته يقف إلى جانب بابلو نيرودا ولويس أراغون:
قمر على بعلبك
ودم على بيروت
يا حلو من صبك
فرساً من الياقوت!
قل لي، ومن كبك
نهرين في تابوت!
يا ليت لي قلبك
لأموت حين أموت
الموضوع الحار الملتهب الذي يقدمه درويش، وشخصيات قصيدته التي يسوقها شارع وموشح، شخصيات مبعثرة تعبر عن ضياع شعب بأكمله ما زال نائماً في هذه الساعات، شعب مكبل بالأغلال، محمول من الأعناق عنقوداً من القتلى بلا سبب، هذه الشخصية، القضية، لا تحب مرتين، تصيح في شبه الجزيرة، تطلب جداراً واحداً لتوحد السوما التي انقسمت، هذه الشخصية الملحمية الرهيبة التي تصلح مادة خام لعرض عضلات لفظية طنانة وبكائية، يقدمها درويش بهذه الكلمات الرقيقة الشفافة.. شخصية انقض حاميها على أعراسها، فوزعت أغانيها على الحراس، مأساوية شاحبة يـحفها الموت من كل جانب، شخصية تموت لتولد، وتولد لتموت في رحلة لانهائية بغية الحصول على هوية وتحقيقاً للذات هذه الشخصية الموزعة بين التشرد والحصار ضمن فجائعية الزمن العربي الرخو تقدم بهذه البساطة بهذه الكلمات الشعبية التي تنزف ألماً وترشح بالمعاناة هذه البساطة لم تأت لدرويش إلا بعد رحلة صعود فذة وتألق أخاذ في عالم الكلمة وقدرة خارقة على استخدام اللغة وتفجير مخزون ألفاظها وحقنها بدماء جديدة هي في المحصلة نزف جراح الشاعر.
http://thawra.alwehda.gov.sy/images/704/11.jpg
محمود يمنح القصيدة بعدها الحياتي هابطاً بها إلى الشارع الذي قيلت من أجله وله وبذلك يصافح ناظم حكمت ولوركا، بكل ثقة وجدارة تتعمق الصورة ينتقل المقاتل من مدينة لمدينة لتكبر حكمته وتغتني تجربته وداعاً للسيوف وللنخيل وداعاً للمدن التي تتوج فاتحيها، وداعاً للمدن التي تعلق عاشقيها، لتستورد الويسكي وأحدث منجزات الجنس. للوهلة الأولى تظن أن الوداع قد حصل فعلاً الرحلة انتهت وما على الشاعر إلا أن يقف على الأطلال مودعاً لكنه يقول «وداعاً للذي سنراه» هو لا يتحدث عن ماضٍ بل يصور مستقبلاً آتياً، وهنا يقدم محمود درويش نبوءته قصيدة النبوءة الأحداث لم تقع بعد، رؤية شاعر، أحداث ليست من الخيال، صورة لم تحدث. إنها رؤية شعرية اعتمدت قدرة الكشف سلاحاً هذه القدرة المستمدة من تجربة الشاعر في عالم يغرق «محمود» يدرك شروط اللعبة يعرف قوانين الواقع لذلك استطاع أن يرسم جغرافية الخراب استطاع أن يرسم بيروت الحمام بيروت هندسة الدمار، بهذه الدقة المفجعة لم يكن أحد ليصدق أن هذا سيحصل قالوا: هواجس شاعر أحلام كوابيس، لكن الواقع كان أكثر قساوة وأكثر مرارة حتى من الصورة التي نقلها لبيروت لقضيته ماسكاً خيط الزمن بأحكام، متنقلاً من الحاضر إلى الماضي إلى المستقبل متقصياً أبعاد الصورة التي يرسمها لبيروت التي كانت أجمل من قصيدتها.
شرط معرفة المستقبل
-----------------------------
إن هذه القصيدة تطرح أمامنا سؤالا جديداً قديماً يدور حول وظيفة الشعر أحد أشكال الوعي الجمالي للواقع مهمته الكشف عن عالم يظل أبداً بحاجة إلى الكشف عن الشعر يقدم رؤيا تعيد صياغة العالم من جديد أنه استشراف للمستقبل يصدر عن نبوءة تعتمد فهم الواقع بأعم قوانينه وتعي الفن بأخص أشكلياته وتعقيداته وتعرف أن الشعر رمز مكثف للشعور الشاعر اليوم عرافة من نوع جديد أنه فوق المؤرخ أكثر صدقاً منه لأنه خرج من زنزانة التاريخ ليلتحم بحرارة الواقع مثبتاً قدرته على كشف أفاق الغيب.
«محمود درويش» قصيدته نبوءة جاءت تتحدث عن المستقبل دون أن تقفز فوق الحاضر دون أن تهمل الماضي، إنه يملك خيط الزمن باقتدار يعرضه بحرارة وصدق بعيداً عن جفاف التاريخ وقوانين العلماء ومصطلحات السياسيين.
القصيدة هنا ليست سجلاً تاريخياً، ليست تصويراً للواقع، هي رد فعل عليه، ليسـت انعكاساً مرآتياً له، هي فعل له قوانينه الخاصة، إنها جزءٌ من الواقع، وارتفاع مكثف فوقه، هي رؤية متكاملة وفسيحة لمسيرة شعب، هذه الرؤية تعتمد منهجاً فكرياً ساعد الشاعر على تقديم رؤياه المستقبلية بهذا الشكل الساحر:
سبايا نحن في هذا الزمن الرخو
لم نعثر على شبه نهائي سوى دمنا
ولم نعثر على ما يجعل السلطان شعبياً
ولم نعثر على ما يجعل السجان ودياً
ولم نعثر على شيء يدل على هويتنا
سوى دمنا الذي يتسلق الجدران ننشد خلسة:
بيروت خيمتنا
بيروت خيمتنا
إن توترات العصر وسرعة أحداثه لم تعد تفي باللحاق بها قصائد التصوير والتحليل إن ذلك أولى بمجلات الحائط. إننا نحتاج إلى شعر حديث يجعل قدرة الكشف التي تستند إلى تحليل عميق لمجمل الأوضاع المحلية والعالمية إن الدراسة الموضوعية للواقع وللقضية المتحدث عنها شرط أساسي لتقديم نبوءة صادقة علمية دقيقة لكن سخونة الأحداث في المنطقة جعلت الشعراء يلهثون وراءها دون أن يستطيعوا سبقها إلا في القليل النادر لذلك جاء شعرهم صوراً ريبورتاجية وثائقية تعكس واقعاً دراماتيكياً يصعب اللحاق به.
إذا كانت القصيدة تحتاج إلى كل هذه الركائز والعمليات حتى تنضج لتقدم عملاً إبداعياً فنياً فهذا يقودنا إلى قضية على درجة كبيرة من الأهمية هي: الشاعر والسياسة.
السياسة لا تصنع شعراً
---------------------------------
في قصيدة بيروت يتحد الشاعر بالسياسي وتزول العقدة القائمة في لاشعور كل منهما نحو الآخر، فطالما أن الشاعر يعبر عن الواقع بكل غناه وتنوعه، فإن العنصر السياسي هو أحد العناصر المكونة للعمل الفني لديه سواء كان ذلك بوعي منه أو بغير وعي، إلا أن هذا العنصر ليس عنصراً وحيداً فالعمل الفني. لا يستقبل بأحكام سياسية مسبقة فقد نتفق مع الشاعر وقد نختلف، فرؤيا درويش مثلاً:
من المحيط إلى الجحيم من الجحيم
إلى الخليج
من اليمين إلى اليمين إلى الوسط
شاهدت مشنقة فقط
شاهدت مشنقة بحبل واحد
من أجل مليون عنق
هذه الرؤيا السوداوية التي لا تميز بين العدو والصديق، سواء أكنا معها أم ضدها، تلك مشكلة لا تدخل في إطار الفن، بقد ما هي مشكلة رؤية جريح يقع تحت ضغط الواقع، فالشاعر لم ير إلا المشنقة متجاهلاً أن الواقع يفرز دائماً قوى مغايرة لما تضج به الإذاعات. إن التركيز على العنصر السياسي في العمل الفني يوقعنا في مشكلة البتر أو اغتصاب أحد أجزاء العمل لصالح عناصر أخرى، لقد كانت الفكرة السياسية مجرد هيكل عظمي يكسيه الشاعر بتجربته ورحلة شعبه ومخاض ولادته وإجهاضه ووعيه، ليصل إلى همزة الوصل الفريدة بين وجدانه وما يحيط به، فالإيديولوجيا في الشعر ليست ذلك البناء العقائدي الذي يقدمه لنا مفكرو السياسة وعلماء الاجتماع أو الاقتصــاد، الإيديولوجيا في الشعر ليست زعيقاً أو هتافاً، ليست التربص لما تأتي به وكالات الأنباء من أخبار، إنها القدرة على تحويل القضية السياسية العامة إلى قضية شخصية جوانية حيث يبلغ الشاعر بذلك قمة التزامه لأنه يمارس هذه القضية الســياسية من خلال وجوده الفني الخاص، وجوده الــذاتي المتفرد بعيـداً عن الكلمات السياسية وحدة الشعارات.
لقد تحولت القضية الفلسطينية لدى درويش من مستواها العام شديد العمومية الذي يمس كل فلسطيني وكل عربي حتى وكل إنسان يحمل ضميراً بشرياً، تحولت إلى المستوى الخاص شديد الخصوصية، فأصبح تأثيرها في الآخرين أكثر عمقاً لأنها قضية ذاتية عميقة التفرد تغور في وجدان الشاعر لتصبح قادرة على الإيحاء والتمدد داخل وجدان الملتقي، الشاعر يتنقل ببراعة بين العام والخاص بين الذاتي والموضوعي معتمداً بذلك على انصهار ذاته داخل ذات الجماعة حيث تذوب الأنا في النحن إن بيروت شاهدة على قلبه سيرحل عن شوارعها لكن ناره لا تموت يبحث في ملابسه عن جثته لكن ما يزال على قيد الحياة ينشد تحيا الحياة فوق الأرض لا تحت الطغاة.
«أحرقنا مراكبنا» قمة الدراما
-------------------------------------
تصل القصيدة إلى قمتها الدرامية حيث يبلغ الشاعر قمة انفعاله متمسكاً بقضيته، فهو لم يزل على قيد الحياة، سيرقص الساحة ويزوج الليلك، تنهمر عاطفته:
سنقوض الأرض التي استندت إلى دمنا
سنخرج من خلاياها ضحايانا
إلى البيت أرجعوا يا أحبابنا
فلن نذهب وراء خطاكم عبثاً
فليس سواكم أرض ندافع عن تعرجها
سندفع عنكم النسيان
نحميكم بأسلحة صككناها لكم من عظم أيديكم
لن نغادر ساحة الصمت
سنفديها ونفديكم
وترتفع قمة التوتر ويفقد الشاعر سيطرته على أعصابه ويرخي العنان لعواطفه المتدفقة:
لو صعدت جيوش الأرض هذا الحائط البشري
لن نرتد عن جغرافيا دمكم
سنبني جسرنا فيكم
لقد شوتنا الشمس وأدمت عظامنا منافيكم
لن نقول نعم
ففي الخندق ظهرت سمات الحمل
وهنا يقف الشاعر ملتقطاً أنفاسه بعد أن رسم صورة رائعة لأبطاله مؤكداً أن حياة الإنسان سيل من التضحيات والبطولات والمحبة الذائبة فوق وجه المأساة الكالحة، إنه إنسان يقف كالطود في وجه الزمان الرديء. إن بطل «محمود درويش» يردم تلك الهوة الوهمية بين الحياة والموت، يحقق التكامل الاسمي بينهما متخطياً هذا الحاجز الميكانيكي الذي يفصلهما وصولاً إلى وجود حر حتى ولو كان شكل هذه الحرية اختيار الموت، إنها صورة «لسيزيف» العرب حيث تمثل التضحية بالنفس قمة العذاب الاختياري رغم امتداد الأرض من قصر الأمير إلى زنزانات الشهداء. وتعود نفس الشاعر إلى الهدوء مرة أخرى ويعود إلى بيروت تفاحة البحر في سيل من الصور التي تغمرها رائحة الدماء، يستعيد وضوح رؤيته التي بدأها في مطلع القصيدة بعد كل هذا العرض المتوثب للأحداث ولرحلة شعبية ولمجمل قضيته، يعود إلى بقية الروح، استغاثات الندى، إلى القمر الذي تحطم فوق مصطبة الظلام، إلى معاطف البحر والقتلى، سطوح الكواكب والخيام، إلى سماء ثاكل تجلس على حجر تفكر بعمق المأساة، إلى الصوت الفاصل بين الضحية والحسام، تلك هي صورة بيروت بعد الرحيل بعد الخراب، الصورة النبوءة.
إننا نلمس غموضاً في الصورة أحياناً، إلا أنه غموض ساحر جذاب، وهذا ما يعطي صور «درويش» هذه الطاقة الإيحائية القادرة على تحريك عقل وعواطف المتلقي، لقد كانت فعلاً بيروت الرمز والأسطورة أجمل من قصيدتها، وخاصة عندما ختمها الشاعر بهذه الصورة الرائعة المستقبلية المشرقة الثائرة، صورة ذلك الولد الذي لم يعد ليستطيع رؤية وجهه في المرآة فسكرها وأطاح بكل ألواح الوصايا والشرائع في عالم لا شرعية فيه إلا القتل ونشر الخراب.
