بعد مرور 400 سنة على سرفانتس
طواحين دون كيشوت تدور في الرواية العالمية
165...&ssbinary=true
لماذا يعود كاتبان كبيران، مثل الكاتب الإيطالي أمبرتو أيكو، والكاتب الألماني بيتر هاندكه إلى موضوعات القرون الوسطى؟ هل لأن الحاضر خاوٍ من الموضوعات؟ أم أن القرون الوسطى لاتزال تعيش في أذهان البشر، وهل لذلك هم بحاجة إلى المخيلة الروائية من أجل استقراء الماضي؟
لا شك أننا نقع في دائرة تساؤل ملح في هذا السياق، فهل أن روايتي «بولودينو» لأمبرتو ايكو ورواية «ضياع الصور أو «عبور سييرا دي غريدوس» لبيتر هاندكه، يعبران عن خواء الحاضر من الموضوعات، أم أنهما مجرد خيار من الكاتبين لرحلة عميقة وبعيدة؟ بعد مرور أربعمائة سنة على رواية ميغيل دي سرفانتس، ينشر الكاتب الألماني بيتر هاندكه، رواية تدخل في صلبها شخصية دون كيشوت ومؤلفها، إذ يتخذ الكاتب منهما رفيقين في رحلته الذهنية السردية. اسم الرواية التي صدرت بالألمانية وترجمتها الفرنسية من «دار غاليمار»: «ضياع الصور أو عبور سييرا دي غريدوس». وتقدم هذه الرواية المعاصرة قراءة تعود أصولها إلى تقاليد القراءة في القرن السابع عشر.
إن هذه الرواية عبارة عن ملحمة واسعة، تخلط بين صنف الرواية وصنف البيان «المانفستو». وانطلاقاً من المؤلف بيتر هاندكه، يذهب الكاتب الألماني الشهير من جديد إلى غزو طواحين الهواء، إن صح التعبير.
وفي 760 صفحة، يكون التوتر عالياً في عملية السرد، فيواجه القارئ صعوبة كبيرة في قراءتها. وهي تفوق كتاباته الأخرى، وذلك من ناحية الاقتصاد في عملية السرد والعقدة الدرامية وقوة التعبير وروح الفكاهة التي تتضمنها الرواية.
ضمن كامل الرواية، يقوم الكاتب بوضع التعارض بين الواقعي والمتخيل. وما يخص الأحداث الجارية، ويوضح هاندكه أنه يريد التعبير عن الوهم الخالص والجنون وطواحين الهواء والفرسان المتخيلين. وهو يسرد لنا قصة بطولة يتحرك ضمنها أبطال:
امرأة جميلة، لا عمر محدداً لها، تهيمن على إمبراطورية مالية، تتخلى عن نشاطها المهني وتترك منزلها في لاسييرا دي غريدوس، وهي منطقة جبلية في كاستيل (مكان شاهق وخطير بالنسبة للعقل والروح). وفي الطرف الآخر، نجد كاتباً في منطقة «المانتشا»، يتحتم عليه تأليف كتاب معها وتدور أحداثه عنها وعن بقية العالم.
وكما عند سرفانتس، الهدف الأساسي هو سرد حكاية، ومعرفة سرد تفاصيل التاريخ. ويتم التفاهم بينهما منذ اللحظة التي يصغي أحدهما للآخر، ويتعلم منه. والسؤال المطروح على بيتر هاندكه هو: لماذا عنون الرواية بـ « ضياع الصور»؟.
إننا من أجل فهم هذه الرواية، معنيون بفهم المسيرة في خمس مراحل في بطولة «لاسييرا دي غريدوس». وفي المرحلة ما قبل الأخيرة، هناك بشر يعيشون في حالة بدائية، رجال من دون صور. إنهم مشرفون على نهاياتهم ونهايات العالم. وفي هذه المنطقة النائية من العالم، لم يخلصوا من الصورة. صور تزيد على الصور المتوافرة بعشرة أضعاف مما هي موجودة في العواصم الميتروبوليتانية: باريس وفرانكفورت ونيويورك وهونغ كونغ .
وللوهلة الأولى، يمكن ملاحظة أن الكاتب الألماني يوجه نقداً لاذعاً إلى منظومة وسائل الاتصال المعاصرة التي تتحكم بالعالم. والطريقة نفسها التي تشهد فيها رواية سرفانتس على انهيار عالم القرون الوسطى ونظم إنتاجه، يقوم بيتر هاندكه بتقديم صورة عن انهيار المجتمعات الغربية الحديثة من خلال صورها وواجهاتها.
وتسمح رواية «دون كيشوت» بفك رموز وألغاز هذا العالم عندما يموت، ويقوم المؤرخ الكبير، بالتوجه إلى القارئ، شارحاً له بأن ما قرأه لم يكن سوى قصة وهم، أراد منها أن يثير قرفه من قراءة روايات الفرسان التي تنتمي إلى القرون الوسطى.
وهذا القارئ كان دخل في أكبر حرب معقدة. و«دون كيشوت» شاهد الضد بين الفن والحياة. وبالأحرى أشكال الحياة الفنتازية أحياناً. ولعل قوة الرواية تأتي من هذا المنطلق. والكاتب الألماني يكتب رواية من أجل أن يأخذ قراءه الغربيين إلى منطقة جديدة. وهو هنا يثير مركزية الموضوع في الأدب المعاصر.
كتب أمبرتو ايكو أربع روايات في غضون عشرين عاماً. روايته الجديدة هي «بولدولينو» التي يعود فيها إلى موضوعاته الأثيرة. ويتعامل مع الشيء اللامتوقع في التاريخ واللقاء بين الثقافات المختلفة، واللعبة بين الحقيقي والمزيف. ورواية «بولدولينو»، هي نوع من روايات المغامرات والرحلات والدهشة والسخرية: فلاح كاذب مليء بالفنتازيا في القرن الثاني عشر، يرحل لاكتشاف مملكة عجيبة.
تفتتح الرواية أحداثها في عام 1208، تحت أسوار القسطنطينية المحاصرة. وبعد أن يتم إنقاذ حياته، يقابل الفلاح الفيلسوف البيزنطي، نيكيتاس كونياتاس، المليئة حياته بالمغامرات.
وهكذا تنطلق الرواية عبر ستين عاماً من التاريخ في الفترة التي كانت فيها المدن الإيطالية تحارب الإمبراطور فريدريك باربيروس الأول. فيكتشف القارئ المعارك والحروب الصليبية والنقاشات اللاهوتية والمناظر الفنتازية والموتى الغامضين وحالات العشق الملتهبة. ولكي يدخل المتعة إلى قلب القارئ، نظم أحداث روايته بطريقة تقود «بولدولينو» للقاء عوالم وحضارات مختلفة ولغات متنوعة، دون أن يتخلى عن ثقافته الموسوعية.
وبعد أن تخلى الكاتب عن تأليف رواية عن مجموعة من الصحافيين الذين «يفبركون» أخباراً كاذبة، شعر بأن هذه الأحداث تتشابه إلى حد ما مع أحداث روايته «عقارب فوكو».
لكن قصة القديس جان ورسالته عن بلد عجائبي وأسطوري، دفعته إلى كتابة قصته حيث وجد فيها العنصر الذي يبحث عنه، وهو فبركة أحداث معينة من قبل إحدى شخصياته. من هذا كله ولدت الرواية. وهي عودة إلى جذور الكاتب لأنه يتحدث عن مسقط رأسه.
وفي «اسم الوردة» تنغلق الرواية حول مكان محدد، وهو أحد الأديرة. وأما في «بولدولينو» فالأمر معكوس لأن العصور الوسطى في هذه الرواية تكون عقلانية والشهود هم من المحاربين والفلاحين.
وليس من الرهبان والقديسين كما في «اسم الوردة» التي استخدم فيها اللغة المثقفة اللاتينية المعقدة في حين استخدم في روايته الجديدة اللغة الشعبية واللهجة الدارجة، إضافة إلى ذلك يستحضر الكاتب الإيطالي الحروب الطاحنة التي كانت تدور رحاها بين المدن الإيطالية. وهذه الفكرة الرمزية ليست بعيدة عن الواقع المعاصر وعلى الخصوص في الحياة السياسية الحاضرة.
وفي هذه الرواية، يمتدح الكاتب عملية الإبداع الطوباوي من خلال استخدام مواد الثقافة في العصور الوسطى الآتية من بلدان أوروبا والشرق، وليست إيطالية صرفة.
ابتدع الكاتب شخصية تعيش في مسقط رأسه ووضع على لسانها خطاباً جاء من بلدان أخرى. لا يعتبر الكاتب شخصيته كاذبة لأن الكاذب يروي أكاذيبه في الماضي والحاضر، بينما شخصيته تسرد الأكاذيب عن المستقبل.
وهذا هو شأن جميع «اليوتوبيات» أو مدن الوهم. وكما يؤكد الكاتب، فإن كريستوف كولومبس حلم بشيء ولكنه اكتشف شيئاً آخر. والرواية في نظر امبرتو ايكو، تبحث على الدوام، عن خلق عالم ممكن.
وهناك روايات تمكنت من تغيير الحقائق الموجودة في عالمنا، كما يفكر الكاتب. ويؤكد أمبرتو ايكو أنه كتب رواية وليس بحثا عن اليوتوبيا، ولو أراد ذلك لما كتب رواية. وسرعان ما تتحقق اليوتوبيات، تتحول إلى تراجيديات، هكذا يعتقد الكاتب الإيطالي، بينما اليوتوبيا تفيد العالم في أن يتقدم في أفكاره، وفي روايته يؤكد أن العنصرية لا نهاية لها.