قلم التاريخ وممحاته مقال خيري منصور
قلم التاريخ وممحاته
مقال الكاتب خيري منصور
دار الخليج
ما الذي يدفع شعباً إلى الاحتفال بذكرى أرض سلبت منه قبل ستة قرون؟ كما حدث قبل شهر واحد في بكين عندما تظاهر الصينيون مطالبين بأرض ضمتها اليابان قبل ستة عقود وثلاثة عشر عاماً، وما الذي يدفع أمة إلى الاحتفاظ بنشيدها القديم رغم أن حضارتها تحولت إلى أطلال ومقتنيات في المتاحف؟
أسئلة كثيرة يمكن طرحها في هذا السياق التاريخي والإجابة تبقى واحدة رغم اختلاف الصيغ واللغات وهي أن التاريخ لا تدون وقائعه بقلم رصاص تتدلى من طرفه ممحاة، كتلك الأقلام التي كنا نستخدمها في المدارس الابتدائية حيث تكثر الأخطاء .
قد يضطر شعب ما إلى كظم الغيظ زمناً طويلاً لأنه بلا حول ولا قوة، لكن ما أن تدب الحياة في أوصاله حتى يهم بالانعتاق من القمقم، وقد يكون أحد أهم التفاسير التاريخية والنفسية للمكبوت الإثني هو هذا الذي لا يصدق بأن التاريخ استخدم الممحاة ليمسح ذاكرات وثقافات وأشواق قومية أو عقائدية، وما يغيب عنا أحياناً هو أن الذاكرة القومية والوجدان الجمعي ليسا كما هو الحال لدى الإنسان الفرد الذي قد ينسى بسبب التقدم في السن واجهاد الذاكرة أو الإصابة بالزهايمر .
فالشعوب لها أساليبها العبقرية في الحفاظ على مكونات هويتها، وقد تهجع زمناً رغماً عنها، لكن تبقى هناك “شيفرا” خاصة بها وبتربوياتها، فالفولكلور مثلاً ليس كما يبدو مجرد تعبير عن نشاط شعبي متعلق بالأزياء والأطعمة والطقوس الاجتماعية، إنه جزء حيوي مما يسمى “الناراتيف” وهو السردية الوطنية لكل شعب سواء تعلقت هذه الرواية الوطنية بالاستقلال والمقاومة أو الحروب، وحين يجد شعب نفسه بلا رواية وطنية أو “ناراتيف” وهذا نادر الحدوث يلجأ إلى ابتكار أعداء جدد حتى لو كانوا من صلبه ومن جلدته ونسيجه، لأن الشعوب لا تطيق البطالة عن الرواية الوطنية واستدعاء صورة البطل سواء من مقابر الأمس أو من الخيال .
وحين تراهن الصهيونية مثلاً على الزمن كي يتولى الممحاة ويحذف التراجيديا الفلسطينية من الذاكرة القومية فهي تقترف خطأين معاً الأول منطقي ومجرد وذو صلة بالتاريخ البشري في مختلف الأزمنة، والثاني إركانها الواثق إلى أن المستقبل هو أيضاً رهينة وأنها قادرة على التمدد لاحتلاله واستيطانه . . ستة قرون ونيف لم تشطب أو تحذف من الذاكرة الصينية أرضاً ضمتها اليابان في مرحلة انعدم فيها التكافؤ . . فكيف ستمحو ستة عقود وطناً بكامل مدنه وقراه وتضاريسه المقدسة من ذاكرة مئات الملايين؟
إنه رهان أخرق وخاسر منذ البداية لأن التراجيديا الفلسطينية ليست مجرد نشيد جريح وهوية مقضومة .
إنها السردية الوطنية في النطاق القومي كله، ومهما مورست أساليب تضييق فلسطين بحيث تعاد إلى غمدها الجغرافي فإن التاريخ لا يعبأ بهذه المحاولات لأن هناك بلداناً مأهولة بمقدسات ورموز ودلالات وطنية وعقائدية تجعلها أضعاف أضعاف مساحاتها الجغرافية، والقضية الفلسطينية التي تجاوزت التعريب والأسلمة إلى الكونية ستبقى عصية على ممحاة المؤرخ المأجور . فالمسألة أبعد من فولكلور ومتحف ونشيد، إنها الوشم الذي حفر في الذاكرة وما من جراحة مهما بلغت من الدقة يمكنها أن تصل إليه لتستأصله .
1 مرفق
رد: قلم التاريخ وممحاته مقال خيري منصور
إنه رهان أخرق وخاسر منذ البداية لأن التراجيديا الفلسطينية ليست مجرد نشيد جريح وهوية مقضومة .
فعلا كما قالت الاخت فالمقال
وفالنهايه لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
رد: قلم التاريخ وممحاته مقال خيري منصور
شاكــرة حضوركـ الادبي المميز،
دمت برقي،
رد: قلم التاريخ وممحاته مقال خيري منصور
راق لــي التواجد وقرائة القصه
تحكي عن مامضى مابين الشعوب
لكــي احترامــي وودي...
رد: قلم التاريخ وممحاته مقال خيري منصور
شاكــرة حضورك بين مقال خيري منصـور،،
دمت برقي،،