نوبل وديوان العرب! مقال خيري منصور
نوبل وديوان العرب!
خيري منصــور
القدس العربي
في كل عام وعلى تخوم خريف غير موزع بالتساوي بين تضاريس العالم، بدءا من ستوكهولم حتى صنعاء، يعود الشجن النوبلي بكامل طقوسه، اسماء مدرجة على القائمة وأخرى شبه مجهولة وثالثة تنتظر الاعتراف الكوني، لكن الفائز واحد فقط، على الأقل في هذا المجال الذي يشغلنا كعرب، فلا الرواية ولا الفيزياء شغلتنا عن ترقب ديوان العرب واستحقاقاته نوبل كجائزة كبرى وربما كانت الأكبر في هذه العائلة من الجوائز في النطاقين العالمي والعربي. لكن من لا يظفرون بها كل عام ليسوا الأقل شأنا بعدة مقاييس، فعدد من يحصلون على الجوائز أقل بأضعاف من عدد من يستحقونها، لهذا فالأمر لا يخلو من بعد رمزي، لتكريم علم ما او نوع ادبي ما . لكن التكريس الذي تمهر به نوبل من يظفر بها يحوله الى منجم او كنز حتى بالنسبة لمن كانوا يجهلونه قبل اعلان فوزه بالجائزة، وقد حدث هذا مرارا، مع شعراء وروائيين وكتاب مسرح لم يكن قد ترجم لهم عمل واحد الى العربية لكن الاضاءة الساطعة تجذب حتى العميان فيكون لنوبل مواسمها! وهذا احدها، والفائز بها هذا العام متعدد الأنشطة فهو باحث جسور فيما يتعلق بالسلطة وشهوة تفكيكها، وبالشقاء العالم ثالثي المزمن، لأنه وبسبب قارة عرفت من الدكتاتوريات أفدحها ومن الطغيان أقصاه، ولأن وكالات الانباء والصحف والبرامج التلفزيونية عبر كل القنوات قدمت اعمال 'يوسا' فإن التكرار يصبح بلا طائل. لهذا فلتكن المناسبة بحد ذاتها مدخلا الى الجائزة واشكالياتها وما يسيل من اللعاب او الحبر نحوها في مختلف اصقاع هذا الكوكب.
* * * * * * *
ثمة من رفضوها قبل جان بول سارترالذي ما ان ابلغ بالفوز حتى اشعل سيجارة وامتص منها نفسا عميقا واعتذر .. لأن العالم يومئذ كان رهينة بيد آخر الاباطرة، والحرب الفيتنامية تفتضح فداحة وعري القوة العمياء لأمريكا. لكن كالعادة .. قيل يومئذ ان رفض جائزة نوبل هو بحد ذاته فوز بجائزة تتخطاها. ولم يترك الفضوليون من هواة السايكولوجيا سارتر بحاله، اذ سرعان ما أعادوا اسباب الرفض الى ذلك التكوين النفسي للفيلسوف الوجودي والذي تسرب بعضه في طفولة زعيم ودراسة بودلير وسيرته التي حملت عنوانا يحيل القارىء الى التردد الهاملتي في مسرحية تسخر من الكلمات، فالعنوان كان 'الكلمات'. نوبل ليست معصومة او لا تشوبها اية شبهات، شأن كل منجز معرفي في عصرنا فحين منحت لسيجرز ومن ثم ليوسف عجنون تساءل العالم عن جدوى وقيمة الكتابة بلغة شبه بائدة كاليديشية، ولأول مرة تحولت جائزة نوبل الى قاسم مشترك بين علماء ومبدعين وبين جنرالات نالوها مناصفة او مرابعة تحت عنوان السلام. انها كجائزة اولا ولدت بمثابة اعتذار من الفرد نوبل عن البارود الذي اشعل الكثير من الحرائق في العالم، لهذا فهي ذات بعد اخلاقي ايضا، اما مفارقاتها فهي عديدة، خصوصا بعد ان حصل عليها ناشطون لم تفرح دولهم بحصولهم عليها كما حدث في ايران والصين، والى حدّ ما كما حدث في تركيا عندما تظاهر الاتاتوركيون ضد فوز باموك بالجائزة، لأنه كما قيل يومئذ كوفىء على ما كتبه عن المجازر التركية ضد الارمن!
لهذه الاسباب وغيرها لم تكن نوبل ولن تكون موضوع اجماع، ورغم ان من يسيل لعابهم وحبرهم عليها ولا يظفرون بها يصمتون، الا ان ما يدور في دواخلهم من مونولوجات ليست في صالح الجائزة، وثمة صمت مريب يحتاج الى ترجمة بعد الدقيقة الاولى من اعلان الجائزة في كل عام!
* * * * * * ** * *
الشعر العربي الذي سمي ديوان العرب لا يزال بعيدا عن نوبل، رغم تردد بعض الاسماء بين الحين والآخر، فهل كان الشعر العربي منذ قرن ولا يزال هامشيا قياسا الى الشعر في العالم؟
واذا كان تعريف الشعر العربي بأنه هوية وجدان وديوان فان التعريف الاشهر للرواية هو ما ينسب الى جورج لوكاتش، فقد عرّف الرواية بأنها ملحمة البرجوازية الاوروبية، لهذا فهي بهذا المعنى فن اوروبي رغم ان الابداعات الكبرى روائيا لم تعد قابلة لهذه الجغرفة، بعد ان اجتذبت الروايات التي زاوجت بين السحر والواقع في امريكا اللاتينية قراء الرواية ونقادها في العالم، وبعد ان اسهم العرب في هذا الفن على نحو لافت، بحيث فاز بها نجيب محفوظ قبل عقدين لأن تجاهله لم يعد ممكنا!
ان السؤال المزمن حول استحقاق الشعر العربي لهذه الجائزة يتجدد في كل موسم وتعدد التفاسير لكن غالبا ما يطغى عليها نمط انفعالي من الشّخصنة، بحيث يقال بأن ما من شاعر عربي قضى الا وفي نفسه شيء من نوبل وما من آخر ينتظر الا ويعد الايام بانتظار ان يمر العام ويأخذ حصته، وقد قيل الكثير عن حلم محمود درويش بنوبل وقيل ما هو اكثر عن ادعائه العزوف عن التفكير بها، وحقيقة الامر ان وعي درويش اولا هو ما كان يحصّنه ضد توقعها، وبالتالي تراكم الخذلانات بسبب عدم الفوز بها، فقد سمعته اكثر من مرة يقول ان الشعر العربي ليس بحاجة الى اية جوائز كي يبرهن على اهميته وجدواه، لكن وراء الأكمة شيئا آخر، ولم يكن محمود يجهر بهذا المخفي لأنه على الارجح لم يكن متأكدا منه، ولا ندري لماذا يغيب عن البعض ان من انجزوا اسس المعرفة الانسانية لعشرات القرون وقبل ان يوصي الفرد نوبل بجائزته الاعتذارية لم يكونوا بحاجة الى اية جوائز، ومن الطريف ان كلمة جائزة في لغتنا اقترنت بأول من اجتاز نهرا في رهان مع آخرين، لكن نهر الجوائز خارج هذا المدار هو بخلاف نهر هراقليطس الذي لا يقطع مرتين.
* * * * * * * *
ما من مرّة يثار فيها سؤال حول الجوائز وشتى انماط التكريم للاحياء والموتى على السواء حتى يستوقفنا هؤلاء الذين درّبوا انفسهم على الاستغناء، وعفّوا عن أية غنائم بل منهم من احرق او نفي او ذبح لأنه تجاوز اهل عصره، ورأى أبعد مما يرون، وكل جائزة حتى لو كانت نوبل بشكل ما اختباراً عسيراً لمن ينالونها سواء لما سوف يقدمون بعدها او لمواقفهم السياسية والاخلاقية في عالم تعولم فيه الشقاء، واعيد الانسان رغم كل حمولته التاريخية من المعرفة الى عصور الظلام، ولحسن حظنا ان معظم من نالوها برهنوا على جدارتهم بها، لأن منهم من تبرع بقيمتها المالية ومنهم من سعى الى البؤر الاكثر اشتعالا لانقاذ ما تبقى، وكان الفنان الراحل مارلون براندو الذي رفض الاوسكار قد عبّر عن موقفه بعبارة اشبه بكبسولة ... هي دفاعا عن الشرف الباقي ... فكم تبقى الان من الشرف في عالمنا؟!