فقراء منسيون خلف شواهد القـبور في غزة
يعيشون منذ عشرات السنين في مساكن من الصفيح على أطراف القطاع
فقراء منسيون خلف شواهد القـبور في غزة
* الامارات اليوم
في المقبرة القديمة الواقعة بجانب ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، تعيش 14 عائلة فقيرة داخل منازل الصفيح المتعاضدة التي شكلت ما يشبه البيت، فالقادم إلى هذه المقبرة يشاهد أطفالاً يلهون ويلعبون على قبور الأموات، وملابس مرمية على حبل مشدود، فيما لا تبعد مداخل المنازل سوى متر واحد عن القبور التي توجد أيضاً وسط عدد من البيوت.
هذه العائلات إضافة إلى 35 عائلة تسكن في حدود المقبرة وتطل أبواب ونوافذ منازلها على القبور، جاورت الأموات منذ عشرات السنين، ومنهم من لجأ إليها عقب النكبة الفلسطينية، فتزوجوا وأنجبوا على مقربة من قبور الموتى الشاهدة على أقدام أطفالهم الصغيرة التي تلهو دائماً حولها، ولم يتمكنوا من مغادرة المقبرة بسبب الفقر الذي يجبرهم على البقاء بعيداً عن حياة الأحياء.
في أحد المنازل، والذي لا تتجاوز مساحته 70 متراً، تعيش أم سهيل جلو (73 عاماً) مع 16 فرداً أغلبيتهم من النساء والأطفال الذين يمثلون أجيالاً متعاقبة، فقد لجأت إليه هي وزوجها وأبناؤها قبل أكثر من 50 عاماً بعد أن عجزوا عن إيجاد مسكن مناسب يؤويهم.
وقصة هذه العائلة، كما ترويها أم سهيل، بدأت عام ،1948 إذ تقول لـ«الإمارات اليوم»، «بعد أن هجّرنا من أرضنا لجأنا إلى غزة، ولكن لم نجد مكاناً يؤوينا، فاضطررنا إلى إقامة منزل من الصفيح داخل المقبرة التي كان فيها عدد قليل من القبور، وكانت عبارة عن منطقة مفتوحة وبعد سنوات عدة قمنا ببنائه من الطوب».
وتضيف أم سهيل، «قضيت أغلبية مراحل حياتي منذ أن كنت في سنّ الشباب في هذه المقبرة، كما زوّجت أبنائي الذين أصبح لهم أطفال بين قبور الأموات، وما أخشاه هو أن يتكرر هذا الأمر مع أحفادي وأن يطول العمر بنا ونحن مدفونون في الحياة».
براءة مهددة
وتعدّ المقبرة متنفساً للأطفال من ضيق المنازل، إذ تتحول ساحاتها إلى أماكن لهوهم الوحيدة، غير مكترثين بأنهم يلهون بين الأموات، فقد تعودوا صور الأموات والدفن، حتى باتوا يساعدون الناس في دفن أمواتهم.
وينساب محمد ابن السبعة أعوام، حفيد أم سهيل، ليلهو مع شقيقه وأبناء عمه بين القبور، غير مدركين ما يخفيه المستقبل لهم، فقد تفتحت عيونهم على الحياة وهم بين القبور، ولا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا فقراء، وأجبروا على العيش بين الأموات.
ويقول محمد ببراءة وهو يقف على أحد القبور «أنا لا أخرج من هذا المكان، ولا أخاف من القبور، فأنا أحب اللعب هنا، وفي كل يوم أرى أمواتاً يدفنون بجانب منزلنا».
ولكن أكثر ما يُرعب الأطفال في هذه المقبرة ويهدد حياتهم، بحسب الطفل محمد، هو كثرة الزواحف الخطرة كالثعابين والعرابيد والعناكب التي تزحف في كثير من الأحيان إلى داخل البيوت.
وقد أصيبت الطفلة أسيل عدنان شويدح بحالة تسمم قبل عامين نتيجة تناولها طعاماً ملوثاً، وذلك بحسب والدها، الذي أكد أن الزاوحف الضارة توجد بكثرة داخل منزلهم في ساعات الليل.
وأمنية الطفل علي الغربي البالغ من العمر (تسع سنوات)، أن يخرج من المقبرة للعيش في مكان أفضل من مجاورة الأموات، إذ يقول «كرهت الحياة هنا، كما لا يوجد لدي أصدقاء من خارج المقبرة، فزملائي في المدرسة يضحكون علي، لأنني أسكن بين القبور».
حياة مع الأموات
في وسط المقبرة، وفوق مجمع للقبور بني قبل عشرات السنين بشكل خزائن متراصة يطلق عليها اسم «فستقية»، تسكن أم ياسر كحيل (80 عاماً) في منزل يتكون من غرفة واحدة.
وتقول أم ياسر شارحة كيف وصلت بها الحال إلى هنا «لقد أقام زوجي قبل أن يتوفى منزلنا من صفيح فوق مجمع قبور جماعية تجاوز عمرها الـ40 عاماً، لأن المقبرة مملوءة بالموتى، ولم يجد أي مكان يسعنا غير هذا المكان».
وأن يكون الإنسان حياً يعيش بين الأموات ، لا يؤثر في أسلوب حياته فحسب، بل أيضاً في علاقاته الاجتماعية ونظرة الغير له، كما تفسر أم ياسر قائلة، «أعيش هنا أنا وأبنائي الثلاثة الذين تجاوزوا سن الـ،20 وهم غير متزوجين، حيث لا يوجد بيت مناسب لنا، ولا يوجد أحد يقبل أن تتزوج ابنته لمن يسكن بين القبور، هذا بالإضافة إلى عدم مقدرتنا على تكاليف الزواج».
وعلى بعد مسافة عشرات القبور يقع منزل هشام الغربي (45 عاماً)، الذي يسكن فيه منذ 36 عاما، ويعيل 18 فردا يقطنون معه في مساحة لا تتعدى الـ70 متراً من الصفيح.
يقول هشام بصوت حزين وهو يجلس وطفله على باب منزله المقام وسط القبور، «منذ أن وعيت على الدنيا وأنا أعيش بين الأموات، ومنزلي وسط هذه القبور، فمنذ طفولتي اعتدت مشاهدة الأموات الذين يدفنون في القبور بجوار منزلي، وقد حاولنا كثيرا أن نجد منزلاً أفضل من هذا، ولكن نحن فقراء ولا نقدر على شراء الملابس والطعام لأطفالنا، فكيف سنتمكن من ذلك؟».
لكنه يستدرك قائلاً «على الرغم من سوء هذا البيت، إلا أنه يبقى أفضل من السكن في الشارع، والحياة بين الأموات أريح بكثير من مخالطة البشر الذين لا يشعرون بنا».
ويتابع متسائلاً وهو ينظر إلى طفله الذي يجلس في حضنه، «ما ذنب هؤلاء الأطفال الذين ولدوا بين القبور؟ ما ذنبهم أن يقضوا ليلهم في مكان مرعب تتكاثر فيه الزواحف والحيوانات الضارة؟».
أزمة منسية
ويبدو أن أصوات هؤلاء الأحياء الذين أجبرتهم ظروف الحياة على مجاورة الأموات لن تصل إلى المسؤولين، وستبقى منسية خلف شواهد القبور، فالأزمات التي يمر بها القطاع، إضافة إلى وجود آلاف المشردين سيؤجل إيجاد حل لأزمتهم إلى سنوات غير معلومة، ليبقى الخوف من ازدياد سوء حالتهم ملازمهم في ظل عدم الاهتمام بهم.
ويقول هشام الغربي، «لقد توجهنا إلى (الأونروا) بصفتنا لاجئين، وتوجهنا إلى الحكومات الفلسطينية منذ قيام السلطة الوطنية منذ عام ،1994 ولكن لم نجد أي متابعة من جميع المسؤولين، وبقيت حياتنا أسيرة بين القبور».
ويضيف، «في عام 1995 توجهنا إلى المدير في وزارة الإسكان والأشغال العامة (رمضان النجار)، وقدمنا طلباً بتوفير مسكن لنا لو كانت مساحته 100 متر، ووعدونا بأن يجدوا حلاً لمشكلتنا، ولكن مضت السنوات، ولم نحصل على أي مساعدة منهم، سوى ألواح «زينكو» تسلمناها منهم عام ،2006 لكي تحمينا من أمطار الشتاء».
ولم تهتم الحكومات المتعاقبة بوضع سكان المقبرة، بحسب الغربي، إذ توجد مشروعات إسكان كثيرة تم تنفيذها للطبقات الفقيرة والأسر المشردة مثل مدينة الشيـخ زايد شمال قطاع غزة، ولم تحصل أي عائلة من سكان هذه المقبرة على أي منزل فيها.
ويقول «يوجد في العديد من مناطق غزة أراض حكومية غير مأهولة، ونحن لا نطالب سوى أن يوفروا لنا ولو قطعة أرض مساحتها 100 متر بديلاً عن الحياة وسط الأموات». ويقول وزير الأشغال العامة والإسكان في الحكومة المقالة بغزة، يوسف المنسي «هناك عشرات العائلات التي تقطن في منازل بسيطة في المقابر لعدم مقدرتها على توفير السكن، كما يوجد مئات الحالات التي تقطن في مناطق عشوائية في القطاع، وهناك من يقطن في منازل صفيح على قارعة الطريق منذ سنوات، وزادت هذه الحالات بفعل الحصار والحرب، ولكن لا يوجد حل لدينا الآن بسبب توقف مشروعات الإسكان»، ويحمّل المنسي الحكومات الفلسطينية السابقة مسؤولية عدم توفير المسكن لفئات مختلفة في قطاع غزة، إذ يقول «لدينا سجلات عن حالات الفقراء والمعدومين، ولكننا ورثنا أزمة منذ تولينا الحكومة قبل أربع سنوات من الحكومات السابقة».
رد: فقراء منسيون خلف شواهد القـبور في غزة
رد: فقراء منسيون خلف شواهد القـبور في غزة
لا حول و لا قوة الا بالله
الله يكون بعونهم
66...d5ba430148.jpg