كتّاب إماراتيون يحللون إشكالية علاقة الأدب بالتاريخ
عندما يسرد الخيال الوقائع
كتّاب إماراتيون يحللون إشكالية علاقة الأدب بالتاريخ
لا يمكن أن يكون أي ضرب من الأدب والإبداع من دون ذلك الفضاء الزماني الذي يجري خلاله، حتى وإن لم تبد ملامح ذلك الفضاء على نحو مباشر من قبل بعض الأدباء والمبدعين . إن أي نتاج أدبي إبداعي إنما يدور وفق سيرورة زمنية محددة، كما أن هذا النتاج الأدبي لا يمكن تدوينه بمعزل عن تأثير دورة الزمن، ناهيك عن أن الأدب قد يتفاعل مع عنصر الزمن على نحو فاعل وواضح .
وإذا كان هناك أدباء قد اخذوا على عاتق نتاجاتهم أن تكون مرآة تعكس إحداثيات الخط الزماني، على نحو مباشر، إلا أن هناك - في المقابل - أدباء لا يتناولون التاريخ على نحو مباشر . وبدهي أن تناول الأديب التاريخ، يختلف - تماماً - عن تناول المؤرخ له، وإن كان النتاج التاريخي لا يمكن أن يكون - مصدراً - تاريخياً كما يقول بعضهم، بالرغم من أن بعضهم الآخر قد يرى أنه من الممكن أن يكون الأدب مصدراً تاريخياً، ولطالما كان الشعر - وهو أحد أنواع الأدب - ديوان العرب . حول العلاقة المتبادلة بين الأدب والتاريخ، استطلع “الخليج الثقافي” عدداً من الأدباء الإماراتيين الذين عاينوا هذه العلاقة .
رأى الشاعر عبدالله السبب أنه من الممكن تناول أي حدث تاريخي، أو علمي، أو رياضي، أو أياً كان ذلك الجنس الإبداعي الذي ينتمي إليه الحدث، وفي أي لحظة كانت، وبالكيفية التي نشاء، فتلك مسألة يراهن عليها المبدع، ولا تحط أبداً من قدره الإبداعي، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث هو اختبار كامن لقدرة المبدع على مدى تناوله إبداعياً لما يحيط به، من مجريات التاريخ، والأمور المختلفة، من جزيئات الحياة، سواء في ما هو ماض أو حاضر أو مستقبل .
وتحدث السبب على الصعيد الإبداعي لديه قائلاً: من خلال عمودي الثقافي في “صحيفة هماليل الثقافية” فأنا اتناول فيه العديد من الأحداث التاريخية - المعاصر منها أو التاريخي - بلغة أدبية مقالية إبداعية .
كما أنني تناولت الحدث التاريخي المفصلي، في حياة دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال نص شعري طويل، هو جزء لا يتجزأ من مشروعي الإبداعي المقبل .
وأكد الشاعر شهاب غانم أنه تناول خلال تجربته الشعرية أحداثاً سياسية كثيرة، مثل: مذبحتي صبرا وشاتيلا، وخروج “إسرائيل” من جنوب لبنان، والعدوان عام 2006 على لبنان، وكذلك اسطول الحرية، واتحاد الإمارات، والوحدة اليمنية، والعدوان على سراييفو، والحرب في كوسوفو، والحرب الأهلية الأفغانية، والصومالية، واللبنانية إلخ إلخ .
وأضاف غانم: كما تناولت قصة خلق الكون، وجرائم الشيطان الأولى، مثل عدم سجوده لآدم، وعملية اغوائه لآدم، ووسوسته لقابيل بقتل أخيه، ومثل هذه الأمور تناولتها شعراً أيضاً .
بينما رأى الشاعر خالد الظنحاني أنه يمكن القول: إن العلاقة بين الأدب والتاريخ علاقة حميمية أزلية، مبنية على التكامل والتبادل، والتداخل الفكري بين الاثنين، على الصعد كافة، إذ يستقي الأدب بكل اجناسه مادته من التاريخ، ويوظفها في موضوعاته، إما لغرض إبراز منافع الماضي التاريخي للناس، ليقتدوا بها في الحاضر، أو لجلب الوقائع، والأحداث التاريخية، واسقاطها على الواقع، أو لإعادة تشكيل التاريخ برؤية الحاضر . في المقابل، فإن التاريخ قد استفاد من الأدب كثيراً، خاصة في ما يتعلق بتسجيل الأحداث، والوقائع، والأخبار التي مرت على المؤرخين، ولم ينتبهوا إليها، أو أنهم اهملوها بقصد أو من دون قصد .
والأدب بأنواعه ولا سيما الشعر منه، يحفل بالكثير من المواقف التي سجلها، ولم تكن معروفة في كتب التاريخ، بل كانت مسجلة بشكل غير دقيق، لذلك فقد أصبح شاهداً على التاريخ، ومن أهم المصادر للدراسات التاريخية المعاصرة .
والأدب في الإمارات يزخر بأمثلة كثيرة تم خلالها تسجيل التاريخ، والاستقاء منه، ومن ذلك الشعر، وخاصة النبطي منه، والذي سجل وقائع وأحداثاً، لم تكن معروفة لدى الكثير من المؤرخين والمتخصصين، كالحرائق الكبيرة وغرق السفن، والحروب، والبطولات التي قدمها أبناء المنطقة ضد الغزاة، أو المعتدين على الناس . كما أن الشعر استقى من تاريخ المنطقة، ووظف أسماء ورموزاً، وأحداثاً كثيرة، كانت علامة فارقة في ذلك الزمان، كقصة الملاح العربي الكبير أحمد بن ماجد .
أيضاً، فإن الرواية الإماراتية - إن جاز التعبير - والتي يعرفها أحد النقاد بأنها “تاريخ متخيل داخل التاريخ الموضوعي” - حفلت بالعديد من الاسقاطات التاريخية، كما استقت من أحداث الماضي، ورموز التاريخ الإماراتي، وشخوصه، العديد من الوقائع التي جعلت للرواية قيمة فنية وأدبية كبيرة . ومن أمثلة ذلك رواية شاهندة لراشد عبدالله النعيمي، ورواية الديزل لثاني السويدي وغيرهما .
ولا ننسى القصة القصيرة أيضاً، فهي الأخرى مزجت بين الماضي (التاريخ) والحاضر، وقدمت نماذج فريدة من حيث النوع، والقيمة الفنية، والمضمون .
وأضاف قائلاً: إذن، الأدب يعطي التاريخ سيرورة وحضوراً، والتاريخ يعطي الأدب مادة، وموضوعاً .
بينما رأى إبراهيم مبارك أن التاريخ ينعكس على ثقافة وسلوك وتعبير، كل إنسان، سواء أكان أديبا، أم غير أديب، وطبيعي أن يكون للتاريخ حضور خاص لدى المثقف والمبدع، فإذا كان الشعر لحظة انفعالية، تجاه العالم، تتأثر بالتاريخ، فإن القصة والرواية - في تصوري - أكثر تأثرا بالتاريخ، وإن كان تكثيف القصة يجعلها أقل عرضة للتأثر بالتاريخ، مقارنة بالرواية، إذ يمكن القول إزاء نمط معين من الرواية إنها مبحث تاريخي للمجتمع وتحولاته لأن السرد مساحة مفتوحة أمام مؤثرات عديدة من بينها عنصر التاريخ .
وأضاف مبارك قائلاً: قد يكون هناك تأثير واضح للمنهج التعليمي الذي تتأسس ثقافة الشخص عليه، حيث لا نزال - حتى الآن - تحت سطوة تأثير الأناشيد القومية التي تلقيناها في سنوات تعليمنا .
وفي تصوري أن ما يجري - الآن - من تغييرات عالمية من حولنا، يبقى له تأثير كبير في ثقافة كل منا، فالتطورات الهائلة التي نجدها بعد ثورة التقانة والمعلوماتية، من شأنها أن تترك تأثيرها في المبدع، لأنها تشكل نقطة تحول لافتة في الخط البياني التاريخي، وهو ما يدل على أن التاريخ هو حركة مستمرة إلى الأمام، وهو بالتالي - متكامل، أي أن ما هو راهن يتواشج مع ما هو ماض، من دون أي انقطاع .
فضاء
وانطلق الروائي علي أبو الريش في تناوله للعلاقة بين التاريخ والأدب من تجربته في كتابة الرواية، مبيناً أن لهذا الجنس الأدبي زماناً ومكاناً، بل إن لكل من هذين البعدين الزمكانيين فضاءه الداخلي والخارجي، ورأى أبو الريش أنه في تقنيته الإبداعية يعتمد على التداعي الطليق، ومخاطبة اللاشعور الجمعي، وهو ما يتم عن طريق زمان ومكان حقيقيين، كامنين في اللاشعور المكون للشخصية .
ورأى أبو الريش أن التاريخ لا غنى عنه في الرواية، تماماً كما هي علاقة الإنسان بالمكان، وكمثال على ذلك أوضح قائلاً: عندما أتناول قريتي الأولى - “المعيرض” التي فتحت فيها عيني على الحياة، وتشكل حاضنة لطفولتي الأولى، فإن التاريخ يمارس سطوته علي في إطار ذلك المكان .
والأحداث التي عايشناها، لا بد أن تجد لها مكانها في التاريخ، فالزلزلة التي تعرض لها العراق، تنعكس في الإبداع، وهو ما تناولته شخصياً في نص مفتوح لي، كما أنني تناولت احتلال جزيرتي طنب الكبرى والصغرى في رواية “امرأة استثنائية”، وكذلك فإن احتلال بريطانيا لرأس الخيمة، تناولته في روايتي “السيف والزهرة” .
ونبه أبو الريش إلى ضرورة التمييز بين كاتب التاريخ الصرف، وبين الكاتب الذي يتناول التاريخ في أدبه، لأن لكل منهما أدواته الخاصة، وينبغي ألا يتحول الأدب إلى مجرد تاريخ، فاقد لقيمته الأدبية، لأن الرواية - وهي من الأجناس التي تتناول التاريخ - تطرح اسئلتها، بينما كاتب التاريخ يضع اسئلته ويجيب عنها .
وشدد الشاعر سالم الزمر - في المقابل - على طريقة توظيف التاريخ في الشعر - بشكل خاص - وبعكس الأنواع الأدبية الأخرى، إذ رأى أنه يجب أن يأتي ذلك في سياق النص، على نحو تلقائي، عفوي، غير مصطنع، ومن دون أي تكلف، بل أن يكون وليد اللحظة .
وأضاف الشاعر الزمر قائلاً: إذا تحول الشعر إلى تاريخ، فإنه يفتقد معناه الإبداعي، ويتحول إلى مجرد منظومات شعرية تحمل أفكاراً، ومعلومات، وهو ما لا أميل إليه . لأن الشاعر الحقيقي، لا يتعامل مع هذا النوع من الشعر .
واختتم الشاعر الزمر رأيه بالقول: من الممكن أن توجد إشارات تاريخية، في الإبداع، على غرار ما فعله أبو تمام، ولكن من دون أن يتحول النص الشعري إلى مجرد مرجع تاريخي، ومن هنا، فإن القصيدة لا تحتمل أن تؤدي دور المنشور السياسي، ولا أن تكون وسيلة حزبية، على نحو مباشر .
وفرق الشاعر أحمد المطروشي بين ثلاثة أنواع من التاريخ، وهي التاريخ القديم الذي لم يعد موجوداً من وجهة نظره، إلا بصفته مدوناً في الكتب والوثائق الكثيرة، ولم يتبق منه غير الذكريات، والتاريخ القريب وتاريخ المستقبل .
واستمر المطروشي قائلاً: وبالرجوع قليلاً إلى التاريخ القريب، في مستواه العربي، نجد أنفسنا أمام منظومة من الفلسفات والمعارف والعلوم التي ازدهرت في أزمان عربية وإسلامية متقدمة، حيث يظل التاريخ فاعلاً ونستفيد منه في شحذ همة الخيال المبدع، وهو يضم مميزات ثقافية وجمالية لا يمكن الاستغناء عنها، كما أنه قريب من وقع الراهن الذي يعيش مقومات حداثية، يبني المبدع من خلالها خريطة توقعاته وطموحاته المبتغاة .
واختتم المطروشي بالقول: على هذا الأساس على المبدع أن يختار ما يخصه، وله وحده أن يرتقي بذائقة البشر، أو يختار ما يحبطهم ويشوش أفكارهم، وله أن يتجلى في ردهة ذاته مطلاً على العالم ومستشرفاً أحوال الكائنات من حوله، وله وحده بكل تأكيد أن يشكل تاريخاً جديداً، مرسوماً بحرفية من أطل على المعرفة واختار أن يكتب قصيدة أو رواية أو يرسم لوحة موقعة باسمه هو .
القاصة أسماء الكتبي لها اهتمام خاص بالتاريخ ويتجلى في معظم كتاباتها التي تغوص في تاريخ منطقة الخليج الحديث، وبالأخص في الإمارات، منذ ما قبل ظهور النفط وما بعده، وترصد من خلال هذه الكتابات واقع التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في الدولة .
وتعتقد الكتبي أن لجوءها للتاريخ، يفيد في توثيق الحياة الاجتماعية للبشر، وأنها حتى في مقالاتها التي تنشرها في الصحافة الخليجية تهتم بالتاريخ وتستفيد من رحلاتها وزياراتها المتكررة الى العديد من بلدان العالم، التي شهدت جغرافيتها الشاسعة الكثير من الأحداث التاريخية السياسية والاجتماعية التي لعبت دوراً في تشكيل المجتمعات .
وقد ذهبت الكتبي في مقالاتها الكثيرة إلى أقدم الحضارات سواء في غرب أمريكا، أو إسبانيا ورصدت من خلالها هذه الحضارات وما تركته من فنون وإنجازات وحكايا كان أبطالها يضجون بالحياة، ولك أن تتخيل عالماً متنوعاً من الأجناس والبشر من صينيين ويابانيين وتايوانيين وما يحيط بهؤلاء من قصص وروايات، كان لها وقعها في التاريخ المتداخل الذي شكلته إرهاصات وهواجس وأحلام تلك الأجناس وملامحهم ووقع أقدامهم في الجغرافيا الشاسعة .
وبدورها فإن القاصة والروائية أسماء الزرعوني، لا تقلل من أهمية التاريخ في نقله للصورة الحقيقية لسجل البشر سواء كان ذلك في صورة وقائع تاريخية حقيقية، أم كان مجرد تاريخ شفوي محكي بالتواتر، وأسماء الزرعوني استفادت من كثير من الأحداث التاريخية التي تمس تاريخ الإمارات ومنطقة الخليج العربي، وكان لها نصيب في أعمالها الإبداعية التي تحولت فيها الحكاية التاريخية الى نصوص إبداعية ضاجة بالحرارة والحلم، كما استفادت من التاريخ السياسي العربي الحديث، لاسيما مرحلة الرئيس الراحل عبدالناصر، وما جاء في ها روايتها الأولى “الجسد الراحل”، وفي رواية ثانية لها استفادت من حرب أكتوبر، وفي عمل ابداعي آخر نقلت فضاء قصصياً يتعلق بمشكلة الجزر الإماراتية، كما تؤكد الزرعوني على حيوية التاريخ السياسي والاجتماعي، ودور ذلك كله في الإبداع الراهن شريطة ألا يتم نقل الحادثة كما هي، وتكون مجرد سرد توثيقي لا يقدم فناً ويؤسس لمشروع روائي أو قصصي عمل عليه الأديب .
رد: كتّاب إماراتيون يحللون إشكالية علاقة الأدب بالتاريخ
الله يوفقهم ويوفق الجميع
وشكرااااا على النقل
رد: كتّاب إماراتيون يحللون إشكالية علاقة الأدب بالتاريخ
أسعـدنـي حضورك الادبي،
دمت بخيــــر،،،