أيام
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
ما أحوجنا إلى أن نتأمل سقف الغرفة، أو سقف الكون، غير سارحين ولا مغادرين أنفسنا . ما أحوجنا إلى سفر داخل الصمت . ما أحوجنا إلى ساعة هدوء .
منذ ولدنا ونحن في ضجيج مستمر، فهل نعيد سيرة الشهور التسعة الأولى؟ . . الشهور الرائعة والواضحة، والبهية الجلية؟
هل نعيد سيرة ذلك الزمان الصغير الذي يبدو ضيقاً، وهو في اتساع المدى أو الردى؟
كنا وحيدين جداً، وأنقياء جداً، وكانت لنا لثغة البدايات، وبراءة الرايات التي لا ترتفع إلا على صوت الحق أو الموسيقا .
كانت بيوتنا تمتد في انسيابية مذهلة بين البحر والعشب، وكانت لنا صداقاتنا مع الأسماك الصغيرة والصخور الملونة . كنا نلعب متى نشاء، ونقرأ كلما تعبنا من اللعب .
كانت الدنيا غير الدنيا، والناس، فهل تتذكرون معي عمر بن أبي ربيعة عندما قطفت له صديقته وردة حمراء كبيرة من ورد الشارع العام، فأهداها قصيدة؟
تسعة شهور من الدفء والوحدة والصمت، ويكفي أننا كنا هادئين حتى في صراخنا، وفي التعبير عن رغباتنا، بعيداً عن التطفل والحسد والغيرة والشعور العدواني، والتدخل في شؤون الغير، واحتلال أراضي الغير بالقوة .
وكانت الدنيا غير الدنيا، والناس .
كان لنا الأمل الصاحي على رنيم الغيم حتى قبل أن ينوي على المطر .
وكان لنا الطموح الصادق، وليالي المذاكرة الطويلة قبل الامتحان .
كانت لنا القاهرة والرباط وبغداد ويافا والقدس وبيروت وصنعاء ودمشق .
وكانت الأيام قبل أن نولد أحلى وأجمل، فلماذا لا نضع أعمارنا بين قوسين وننصرف، مغلقين الأبواب وراءنا على العلامات الفارقة للجحيم؟
لماذا لا ننطلق وحدنا، أحراراً وحدنا، حتى من لهاث السنوات، راكضين إلى حرية تبتعد عنا كلما اقتربنا منها . . حرية تضع عمرها بين قوسين وتنصرف؟
وكانت الأيام قبل أن نولد أحلى وأجمل، كأنما العمر التالي جثة أو خشبة . كأنما هو مزراب يشهق في السكة الوحيدة، والمطر النيئ لا يجيء، ورائحة المطر الطازج لا تخطر حتى على البال .
أيام اللحظة الأولى . الربيع وهو يتدفق ناشراً طلاوته في الفصول، وكنا أقرب إلى رومانسية مجبولة بحنين يستعصي على الوصف . .
وكانت الدنيا غير الدنيا، والناس .
أيام . . أيام . .
