منازل المعرفة مقال حبيب الصايغ
منازل المعرفة
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
للمعرفة في الضمير مساحات اللحن وشرفات القمر . للمعرفة في أقاصي الروح عتمة الروح . للمعرفة في ذروة الدم نهضة الجروح الشهيدة الشاهدة . للمعرفة في الحلم فزع اليقظة ويقظة الفزع . للمعرفة في الوهم جبروت الوهم، وللمعرفة في الحقيقة جبروت الحقيقة . للمعرفة في الأرض نأي القبور ونوايا البذور .
والمعرفة لا توضع وحدها في السياق البعيد، فلها اتصالها الوثيق بالجهد والتعب .
حين يشد وتر القوس يذهب السهم أبعد يصل إلى هدفه، أو يحضر في جسد الغياب وكأنه الزمان، وحين يشد وتر الآلة الموسيقية يستقيم الوزن إلى درجة عدم التوازن، ويدخل الانتظام كله في الفوضى كلها . لدى الإنسان الأمر يختلف، فأوتار الصوت في حالة الشد الكثير تؤدي إلى الحشرجة، أما إذا اعتبرنا الأعصاب أوتاراً، فإن كثرة العزف عليها يقود إلى التوتر . هنا يقف الاشتقاق أمامنا وكأنه مرآة صقيلة . لا وقت للجهل، لا وقت للنسيان، وعلينا أن نتعب قليلاً حتى نعرف، وحتى نشعر بحركة قلوبنا .
فإلى متى نبقى وحيدين، نقرأ ما لا يقرأ، ونتناول ما لا يتناول؟ . . لقد رحل نخيل الطفولة، وغادرتنا جدرانها إلى ذلك الأبد الأول، النهائي، الجديد، الطازج، وتركتنا وحدنا مع الانتظار والرسائل . وحدنا، بعيداً عن جرأة لا نمتلكها وجنون لا نستحقه .
ونريد أن نعرف أكثر وأبعد وأعمق، فنحن نعيش عصر العلم بامتياز . كل شيء يتحرك بمقدار ومقياس من الإبرة الصغيرة إلى تروس الآلات الضخمة، والرنيم الموسيقي ليس واحداً . هنا هدوء وهناك ضجيج، وبعد زمن قليل يحصل العكس، فيتحول الهدوء إلى ضجة، ويتلاشى الصراخ وكأنه لم يكن . عالم عجيب ومدهش، غير أنه محسوب في الصناعة والتجارة والزراعة، وفي الوظيفة العامة والاجتماعية، وربما في المشاعر الأكثر حميمية وصدقاً: الحب على سبيل المثال .
في ديننا الإسلامي، وارثنا الحضاري، دعوة دائمة إلى الفكر والتأمل، ومراجعة القضايا والأشياء، والدخول في الذات، نحو معرفة النفس، قبل معرفة الآخر واكتشافه:
. . ولا أحد غيرنا في الجنون المؤدي إلى بيتنا . لا أحد .
ولا أحد . في الفصول الأميرة وقت لنا . لانشغالاتنا وحرائقنا . في الشموس الأخيره ضوء لنا ونهار .
لا أحد غيرنا والمدار .