عــامــان عنـد بــاب الـكـــوْن للمبدع جلال برجس
عــامــان عنـد بــاب الـكـــوْن
جلال برجس
* الدستــور الأردنيــة
عامان عند باب الكون يلتقيان ، الراحل ، هذا العام الحزين إلى درجة النحيب ، والقادم ذلك العام المتفائل حد الغناء. يلتقيان ، كلقاء الجرح بالملح ، كل يقرأ قصيدته. يصافحان بعضهما ، ثم عبر بوابة الكون يغيبان ، العام الراحل يغيب في السديم ، وفي عدم التأرخ ، وقد خلّف وراءه عالماً يتراجع الحب به كل دقيقة ، ويعبر العام القادم البابَ حاملاً بيده أمنيات مجازها الإنسان. يلتقيان ، كل يسرد قصيدته ، بينما غيمة في المدى تنوح ، ونجمة في المدى ترقص.
العام الراحل
نحو باب الكون راحلاً يغذ العام خطاه ، وهو يمسح بكمّ معطفه دمعة كبيرة بحجم الإنسانية ، وبوسع عذاباتها. رويداً رويداً ، كقلب مصاب ببطءً نبضاته ، يمشي ، ومن هامته تفرّ عصافير بمناقيرها نايات تضمخ المدى بحزن قاتم. وفي المدى امرأة من غيم شجّت جيبها ، ورفعت نهديها حزناً للريح التي تردد تنويحة الرحيل. على مهل يسير العام نحو باب الرحيل ، يتوكأ على خيبة ، وبضع نجاحات. جسده بانوراما من جروح ووردة واحدة ، جعبته خالية إلا من قصيدة تُعلي من شأن الإنسان. رويداً.. رويداً يصعد جبلَ الأمنيات وقد تضاءل نَفَسه ، وهو كلما سار خطوة ، التفت إلى الوراء ، ليرى دخان الحروب ، ليسمع أزيز الرصاص ، أنين الجوع ، نحيب امرأة فاتها قطار الحب ، يد حالم تحاول أن تقطف خصلة من عنب الأمنيات. على مهل يطأطئ الرأس ويمشي وهو يركل حجارة في الطريق إلى باب الغياب. وعند الباب يقعي العامُ ، ينتظر حارس الباب أن يأذن بالرحيل. والريح بباب الكون تعْوي ، كطفل أضاع الجهات وأقعى ينتحب. والريح امرأة تحب النحيب. بينما العام يسرد قصة على لسان بنت على جسد الرصيف تفرد حلواها للمارّة ، وتفرد روحها في دفتر تخط به كلاما يشي بدمع مالح:
"المدى علمني المدى ، لغة الحلم ولكنة الأمنيات. أنا ابنة الحلم وأبجدية الحَمَام ، سليلة الحالمين بالبلور. المدى العربي علمني الكلام ، والحلم منحني رصيفا هادئا للكتابة على ناصية التعب ، وعلى جادات المدن العربية. لا عليكم جففوا دموعكم فهذا ليس وقت النحيب ، أنا هنا لا تقرؤني عيونكم التي رغم العقوق أحبها. أراكم الآن تنظرون إلى معطفي الأحمر ، الأحمر بلون الحلم ، ودهشة ما تصيبكم. أراكم الآن تراقبون حذائي الذي قال لي بائع البالة ، أن فتاة انجليزية كانت تلبسه ذات يوم وهي تتمشى في حدائق (اسكتلندا) وتعقد حوارا مع العصافير ، وبنطالي الذي كان لإحدى فتيات (اليانكيز) وهي تتسلق على سلم موسيقى (البوب) وشَعري الذي سَرَّحتهُ الريحُ لي ذات ليلة عندما كنت احلم بحذاء (سندريلا) ، وتلك الجريدة التي قرأت بها قبل قليل قصيدة لشاعر يداوي جراحه بالحبر ، وهو ينوح كذئب في شعاب المدينة. تنظرون إلى (البكسة) وقد نثرتُ عليها الحلوى ، إنها ليست للبيع يا سادتي ، هذا اليوم بالذات ليست للبيع إنها حلوى العام الجديد ، البارحة قال لي المدى ، أن هذا العام سيكون عاما لكل الأطفال المتعبين مثلي ، لذا هبطتُ إلى رصيفي كما اهبط كل يوم ، لأذيقكم حلواي كما افعل كل عام وكما سيأتي المدى كل عام. لا ضير من أنكم لم توزعوا حلواكم عليّ ، لأصير فأنا ابنة المدى وأبجدية الحمام.
أراكم تراقبون الآن يدي وهي ممسكة بالقلم وهو يُقبّل خدّ الصفحة البيضاء كقلبي الصغير الصغير. ترغبون بمعرفة ما اكتب؟ أنا لا اكتب عنكم ، عن جفائكم ، عن عقوقكم ، عن قلوبكم التي استحالت إلى هالة من الخدر ، أنا لا اكتب عنكم ، أنا اكتب عني أنا ، أنا ابنة المدى وأبجدية الحَمام. أيضا تريدون معرفة ماذا اكتب عني؟ فكروا قليلا ، فكروا ، ما عرفتم؟ لأنكم ما سألتم عن اسمي. ألم تلاحظوا ما تقوله فيروز رغم أنكم تستمعون إليها كل صباح وانتم تشربون قهوتكم ، ألم تلاحظوا ، وهي تغني:
(اسامينا شو تعبوا اهلينا ، تا لئوها شو افتكروا فينا ، الاسامي كلام ، شو خص الكلام ، عنينا هني اسامينا).
ومع الريح يجيء صوت العام مشوباً بالعويل:
"تعالوا نُضَمد جرح الرياح
ونَرْتق خصر المدى
تعالوا نلم نشيج الشموس
نحيب المجرَّة
عويل الكواكب
ونُهدي السكوت لرثم الصدى
تعالوا لًنُقنع هذا الخراب
بأن الحقيقة
أوسع من شاشة الرادار
في مرمى الأباتشي
تعالوا
فلا بد من وتر تبقى في الركام
لنُصلح هيبة المعنى
ونُسرف في السؤال"
العام القادم
من وراء تلال ساعات كونية ، يتهادى كمهْر يمرح في نثار الغيم ، من فمه تفرّ عصافيرّ على شكل أمنيات وردية ، تحمل بمناقيرها كمنجات توزع للكون موسيقى بطعم الكرز. قامته شجرة سروّ تعانق الغمام ، جعبته مليئة بالأمنيات. يتهادى كالعائد للديار من مدن بعيدة مكللة بالغياب ، العام الجديد ، يغذ خطاه باتجاه باب الكون ، بينما نجمة في أعالي المجرّة ترقص بانتباه العشق ، للقادم ، احتفاء بالحلم. والعام القادم نحو باب الكون ينثر بهجاته للصبايا الكاظمات الوجد ، للأمهات اللواتي هدهّن انتظار الحنين ، للحقول التي جهزت بذارها للاخضرار ، للآباء الذين يداوون الشيب بالذكريات ، للأطفال الذين يحلمون بنوْمة هادئة بعد محاولاتهم للالتقاط قرص الشمس وهو يهبط وراء الجبل ، للمدن التي تشتهي الحب كما تشتهى الماء ، للبلدان التي أثخنتها جراح الحروب. وعند الباب اتكأ على الجدار ، يشرب كأس الانتظار ، بينما العام الراحل يشرب هو الاخر كأس الانتظار ، إذ راح العام القادم يسْرد حكاية من شعر عن النجوم التي ولدت على الأرض لكنها غادرتها ، وهي ترى الحب يتضاءل شيئاً فشيئاً:
على هذه الأرض
ههنا ذات يوم
سوف تأتي النجومُ تَزًفُّها الأقمار
ويقودها طير المجرّات
من البعيد
البعيد
ستأتي كغبار الزنابقً ،
من أعلى مفازات الشهيقً
بوجْد المسافر في تخوم الرمل
وهو يحمل وردة الخذلان
بأصابع الأطفال وهي تنفض ما تبقى
من غبار قد تثاءبَ
واعتلى وجه الحياة
بلهفة غَجَرية للعشق ،
رغم خسارة الموال
لذا علينا أن نصير أكثر حنكةً
لكي لا تفر النجوم
كما صار ذات عام قديم
حين فرَّتْ
إلى السماء.
رد: عــامــان عنـد بــاب الـكـــوْن للمبدع جلال برجس
اسعدني التحليق هنا
شكرا لانتقائك الرائع ..
دمتي بسعاده وخير ..
رد: عــامــان عنـد بــاب الـكـــوْن للمبدع جلال برجس
سعيدة بجولاتك الادبية،،
كوني بخير،،