ودع "هريرة"
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
لم يكن يكفيني “بندول” العالم كله حتى أخف أو أنسى، واصلت الليل بالنهار، وبادرت إلى كتابة أسمائي وعناويني على أوراق الشجر وبذور الورد، حاولت أن أرسم شكلاً جديداً للوجدان، وكنت مريضاً .
في الذاكرة المتحولة أبداً بحر قديم . سماء مسكونة بالمطر، وجبل يكتظ في الذاكرة . جبل يجلس القرفصاء في زاوية العقل، ليشرف على رحلة الدم بين الوريد والوريد، وليشهد على خفقة القلب وارتجافة العين . . جبل من لحم ودم وأعصاب وأحلام وكوابيس . صفحة بيضاء في كتاب أصفر . صفحة خضراء في كتاب الدمع، وجنون رائع كأنه أول الجنون .
لم أجد غير الانشغال عن الماضي وسيلة لالتقاط الروح، ولمغادرة الكوابيس، بين المعارك والتمنيات كان الوداع عنواناً غير منطقي . الوداع بالمعنى الشامل، باعتباره إشارة في ثقافتنا العربية تملأ الأفق، وتصل إلى أقصى الشرايين والضمائر . الوداع وما أدراك:
ودع هريرة إن الركب مرتحلُ
وهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ
لا لا . . لم يعد الإنسان العربي يطيق الوداع كما كان آباؤه وأجداده . هذه التفصيلة القصيرة، الطويلة، الغامضة، من تفاصيل حياة العربي، كما ربما الإنسان عموماً، وجدت طريق التغيير سالكاً . أي وداع وقد انهدم كل طلل على رؤوس أصحابه، وحل اللقاء، وبعضه روتيني واعتيادي وسمج، بدلاً من اللقاء الجميل والقريب والمقتد من كنوز الذاكرة؟
وشخصياً، لم أعد قادراً على احتمال يافطات المطارات، فهي في الظاهر مرايا، وفي الصميم منايا .
ولقد ذهبت الأشرعة إلى غير رجعة، وذهبت كتاباتي القديمة إلى النسيان . إلى اللعنة أو الجحيم، وما عادت في زجاجة الجر قطرة حنين .
لكن الرهان يظل دائماً على الكرامة والكبرياء .
أتذكر الآن، والذاكرة الخاصة مقتبسة، يقيناً، من الذاكرة الجمعية، أن الأرض العربية كانت دائماً، وعلى امتداد تاريخها المطرز بلون القهوة والهجرة والهجر معلمة التجارب البكر، وشاعرة من الطراز الأول منذ عبقر، ومنذ ذلك الجني العجوز، والد البنات الحلوات، الذي مر عليه الأعشى، الشاعر العربي القديم، ذات مساء عربي قديم، ووضع في أذنه وقلبه السر: أنا الذي أكتب، وأنت الذي تقول .
ونادى الجني العجوز بناته الحلوات، فإذا بينهن “هريرة” الواردة في مطلع قصيدة الأعشى الشهيرة، وإذا بينهن أخريات، ممن وردن في القصائد، وفي الحلم العربي البعيد .
وكنت مريضاً، فإلى متى تظل الجثث معلقة على أسلاك التليفونات وحبال البهلوانات؟
كانت الجثث مخبأة أيضاً في رسائل البريد، وموضوعة على رفوف المكتبات ومحلات السوبر ماركت .
وكنت مريضاً .
ولم أكن وحدي .
