البحث عن بُعد ثالث - خيري منصور
البحث عن بُعد ثالث
خيري منصــور
* دار الخليــج
الثنائيات الحاسمة والصارمة هي المهد النموذجي، لأرضاع الحروب الأهلية، فما بين الأسود الحالك والأبيض الناصع ما من ظلال رمادية، لهذا تصبح المعادلة هي إما هذا أو ذاك، ويحذف حرف العطف من أي صيغة ذات علاقة بالشراكة .
وإذا كانت الحضارة الأوروبية قد قطعت شوطاً لا يستهان به للتخلص من هذه الثنائية، حيث الخير مطلق والشر كذلك، فإن الردة اليمينية المتطرفة والتي جسدتها الإدارة البوشية قد عادت لتحذف البعد الثالث من كل المعادلات الكونية لهذا كان اعتداء هذه الإدارة سافراً على العقل الغربي أولاً، وعلى منجزات العقلانية والجدلية في ثقافة تأسست على التنوير، ويبدو أن عدوى هذه الثنائيات أصابت العقل السياسي العربي في الصميم، فالتعامل الذي أصبح تقليدياً مع السلطات هو إما مديحها والتسبيح بحمدها أو تكفيرها والتهاف الصاخب بإسقاطها وتهجيرها .
هذه الجملة السياسية العجيبة هي أحياناً مساحة عدمية بين مبتدأ كاذب وخبر مشكوك في صحته، لهذا تفاقمت أزمات الثقة بدءاً من الناس والدول حتى بلغت الأفراد وأخيراً أصبحت الأزمة شديدة حتى بين الفرد وذاته .
فنحن كأفراد نعيش أحياناً ما يشبه حرب العصابات الداخلية بيننا وبين أنفسنا وبين ما نحلم به، وما يتوجب علينا قبوله والتأقلم معه لمواصلة الحياة ولو في الحد الأدني .
ومعظم من يثرثرون عن الليبرالية هم بحاجة ماسة إلى قراءة تاريخ تطورها بدءاً من النشوء فهي ليست موضة ثياب أو سيارات أو موبايل يتم نقلها على الفور لمجرد الحصول على ثمن هذه السلع المطروحة في الأسواق، ومن يظن أن حرق المراحل ممكن في مثل هذه المنجزات المدنية والحضارية يخطئ مرتين . مرة لأنه يجهل التاريخ والتاريخ لا يرحم من يجهلونه، ومرة لأنه يضع قبعة واسعة على رأس عصفور، فأنماط الإنتاج وأساليب تطورها كانت عوامل حاسمة في تطوير العلاقات الإنسانية سواء بين الأفراد أو بين المجتمعات والسلطات، وهناك مفاهيم لابد أن تقطع مراحل النمو العضوي بحيث لا تقفز من مرحلة الزحف والتعثر إلى القفز، وإذا كان ما يقال الآن عن الغضب الشعبي وفورة الشباب باعتبارها الأسبق من كل أشكال الحراك المدني والسياسي فإن السؤال عن بطالة النخب السياسية والثقافية يجب أن يتحول إلى مساءلة جذرية .
ما الذي كان يفعله الناشط والكاتب والمثقف التاريخي طيلة عقود؟ إذا كان مجرد صدى ورد فعل مباشراً لغضب صادر عن الناس وعلى نحو عفوي .
أين تذهب هذه الأطنان من ورق الصحف والمطبوعات وهذه النفقات على الندوات إذا كانت مجرد مناسبات موسمية كبيوت العزاء أو الأعراس، رغم أن بيوت العزاء في حالات كهذه تكون بلا موتى، مثلما تكون الأعراس بلا عرسان؟
إن ما بين شعارين أحدهما يقول يسقط والآخر يقول يعيش مسافة مهجورة في ثقافة الثنائيات، وهذا ما ندفع ثمنه بين وقت وآخر . ثم تتكرر الأحداث بكامل وتائرها وتفاصيلها، ونبدأ في كل مرة من أول السطر .
إننا نحتاج إلى تثقيف وتأهيل بعيداً عن التأنق النظري بحيث نعي أن الواقع من حولنا ليس شياطين وملائكة أو خونة وأبطالاً، فالإنسان مسرح لكل الأضداد، لكن من يتغلب أخيراً هو ذلك العنصر الذي تغذى بالوعي وتلقح ضد الخديعة .
الثنائيات الحاسمة تجعل الحوار حوار طرشان وتهدد العقل السياسي بالانزلاق إلى الانفعال الآني وتسليم الأمر كله للقلب .