حب من نوع آخر - يوسف أبو لوز
حب من نوع آخر
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
أحبك أكثر عندما تتخلصين من الخوف، ومن الجوع، ومن البرد، وتصبح لديك القدرة على شراء علبة دواء، وشراء قميص جديد، وزجاجة عطر، وربطة خبز كافية لأكثر من عشاء لي ولأبنائنا المنهمكين في تحضير واجباتهم المدرسية بالقرب من مدفأة صغيرة قديمة، مثل قلبك الصغير الدافئ القديم .
أحبك أكثر عندما نأخذ منزلاً صغيراً في ضواحي المدينة، وقد خرجنا من سكن المقابر منذ ثلاثين عاماً، هنا، وأنا وأنت نتحدث مع الموتى عن الحياة التي ينعم بها الآخرون في الأحياء المخملية، حيث يأكل كلب العائلة أكثر مما تأكل ابنتك المصابة بفقر الدم .
أحبك أكثر عندما ننتقل من حارتنا العشوائية هذه . . العائمة على ماء آسن، والمسكونة بالبعوض والبلهارسيا وحكّة الجلد كما حكّة القلب . . إلى بيت بثلاث غرف، واحدة للنوم، وواحدة للفرح، وواحدة للبكاء، لأننا لم نحب بعضنا من قبل بمثل هذا الاقتراب وبمثل هذه الإنسانية الجميلة كرائحة الورد .
أحبك أكثر عندما أعيش بثلاثة دولارات في اليوم أنا وأنت وأطفالنا على الفول والخبز، لكن أعيش في الوقت نفسه على ثلاثة آلاف إحساس بالكرامة والكينونة البشرية، لأن الحرّ وحده، يا حبيبتي، هو الذي يصنع الخبز .
أحبك أكثر عندما تمشين مرفوعة الرأس بلا شقاء، ولا رعب من جرّة الحبل، ولا خوف من مجرّة الذهب ومجرّة الخشب .
أحبك أكثر عندما تقولين لي “إرحل”، وقد أخفقت في أن أقبلك على رأسك عندما كانت جبهتك العالية، يا حبيبتي، تتصبب عرقاً من حمّى الضعف والمرض .
أحبك أكثر عندما ترفضين يأسي وعجزي واختفاء صوتي وصورتي أمام حضورك الكبير .
أحبك أكثر أيتها المرأة النهر، والمرأة البحر، والمرأة الشعر، والمرأة الهرم .
أحبك أكثر عندما ترفعين رايتك في الأرض، لكي أراك كاملة قوية بهية أيتها المرأة التي أكلتُ لحمها وعظمها لكنني مازلت جائعاً ووحيداً . . فكيف لرجل مثلي يعرف الحب؟
أعتذر إليك، يا بلادي، عن كل ما مضى، ولكن أعرف، بعد فوات الأوان .