فلسطين والرغيف - خيري منصور
فلسطيـن والرغيــف
خيري منصــور
* دار الخليــج
إن جولةً حتى لو كانت خاطفة في أرشيف الصحافة العربية خلال الحقبة الانقلابية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، تضعنا إزاء حقيقة جلية هي أن فلسطين كانت في الصميم من شعارات الثورات والانقلابات، وأن الوعد بتحريرها هو على رأس قائمة الأولويات لدى الأطراف التي سعت إلى التغيير، وما من بيان أول لثورة أو انقلاب عسكري إلا وكانت كلمة فلسطين ووصفها بالقضية القومية المركزية تطرّزه من ألفه إلى يائه .
كان العرب بجيوشهم السبعة في تلك الآونة قد أخفقوا في الدفاع عن فلسطين، ما أثار ردود أفعال عنيفة لدى ضباط كانوا عائدين للتو من الجبهات، ومنهم إن لم يكن على رأسهم، الزعيم الراحل عبدالناصر الذي خرج من حصار الفالوجة بجرحين غائرين، أحدهما في جبينه، عندما كان يكتب يومياته على ضوء قنديل نفطي انكسرت زجاجته وتشظّت، والآخر في القلب .
الحراك القومي قبل نصف قرن كان ذا صلة عضوية بهزيمة عام ،1948 وما كان التفاف الناس حول الشعارات المعلنة يومئذٍ، إلا تعبيراً عن هذا المشترك الوطني، ومحاولة لترميم نرجسية جريحة .
كان العرب في تلك الفترة أكثر فقراً وأقل تعليماً وتأهيلاً من هذه الأيام، ولم يكن لديهم “إنترنت” أو “فيسبوك” أو حتى هواتف، وكان المذياع الخشبي الذي يحتشد حوله المئات في القرى والمدن، هو أداة “الميديا” شبه الوحيدة التي تصلهم بالعالم، وبالرغم من تلك الشروط الباهظة التي كانت تحاصرهم، قاتلوا بما تيسر لهم من سلاح بدائي وأوامر، واستشهد منهم كثيرون، ولاتزال هناك مقابر في فلسطين مثل مقبرة جنين تضم شواهد تحمل أسماء شهداء عرب من معظم الأقطار، لهذا ما إن احتلت الدولة الصهيونية الضفة الغربية عام 1967 ومنها مدينة جنين، حتى سارع الجيش إلى إحضار دبابات عربية معطوبة في حرب 1948 وكتب تحتها بالإنجليزية والعبرية: هذه الدبابات قتلت جنوداً من جيش الدفاع لهذا نكّسنا راياتها وفوهاتها .
كان من شعارات تلك الثورات والانقلابات ما له علاقة بالرغيف والمأوى والعدالة الاجتماعية، لكن هذه الشعارات أيضاً لم ينقطع حبل السُّرة بينها وبين فلسطين . وبالمقارنة مع شعارات الحراك العربي الآن اختلف المشهد كثيراً، وكذلك الشعارات، فالدوافع الأكثر قوة وتداولاً في وسائل الإعلام اقتصادية، واليافطات تنادي بإنهاء البطالة ومحاربة الفساد وحق الناس في الدواء والتعليم .
وقد تفضي هذه المقارنة للوهلة الأولى إلى تناقض بين الحراكين اللذين تفصل بينهما عدة عقود، فقد لا نسمع اسم فلسطين ومدنها وتضاريسها المقدسة تتردد في هذا الحراك الجديد . لكن لهذه المسألة وجهاً آخر يستحق أن نتوقف عنده ونتأمله بدقة، فالعرب الأحرار الذين لا يعانون الأنيميا والبطالة والارتهان، هم أخيراً الاحتياطي الاستراتيجي والسايكولوجي والقومي لفلسطين وأهلها .
إذاً، ليست المسألة في الشعار بمعزل عن دلالاته، فقد لا يرفع العرب إذا جاعوا أو حرموا أو عانوا الحَجْر على حرياتهم، شعارات تحمل اسم فلسطين لكنهم ما إن يقفوا على أقدامهم وتنكسر قيودهم، ويشعروا بالتعافي، حتى يصب هذا كله في بحر تلك القضية ويابستها وفضاءاتها .
إن فلسطين ليست نقيض الرغيف والكتاب والحرية، والعكس هو الصحيح، ففلسطين هي الاسم الحركي ليستعيدوا إرادتهم وحريتهم .