إبداع ... الظلال لا تورث - قصة: صالحة عبيد
إبداع ... الظلال لا تورث
قصة: صالحة عبيد
* دار الخليــج
انسلخ عنه صاحبه على باب الليل، خلعه عن جسده وتركه يغفو، فولّى حتى بزوغ آخر، استقلى بسكون كعادته على أرضية الردهة التي تختلس قطعةً من القمر كل عتمة .
أيقظه النواح على الفزع ، ردهات المنزل الهامدة غالباً أخذت تهتزُ ب الأنين، أرهف قلقه فتناهت إليه خطوات مضطربة وأخرىَ عجل بها التوتر إلى غرفة صاحبه المظلمة ، فيما الهاتف في أقصى الزاوية يضج بالرنين، أما الباب المنكفئ على ضعفه فلَم يكف الغرباء عن ضربِ صدره المهترئ حتى يأذنَ لهم الصرير بالدخول .
ذوو الوجوه الغريبة دلفوا بصندوقِ كبير مغلق، وغابوا به أيضاً في غرفة صاحبه، نبهته لسعة الشمس إلى منتصف النهار وهي المدة الأطول التي أمضاها في مراقبة صاحبه النائم، التصق بالضوء حائراً، حتى علت همهمات الصوت وزاد وقع الأقدام، خرجَ رفيقه أخيراً، وعلى غير العادة لَم يخرج على قدميه وإنما مسجىً في ذاك الصندوق المعتم من دون حراك، اندس متشبثاً بأطراف أجساد حتى وافى الراقد في سكون، فانحنى ليعكس روحه كما عهد عنه، ولكنه انسل من بين مساماته كالموجود، عاد وتربص بالجسد المتصلب، لكنه لَم يستطع احتمال الصقيع فخرّ جليداً، إلى أن ماد الجليدُ تحت وطأة الخطوات والأحداث المتسارعة، تبع الجمع ملتصقاً بأشلاء الطرق ومتطفلاً على أعمدة الإنارة الغافية في انتظار عتمة أخرى .
من البعيد القلق انسكبَ على ظِل شجرة، وأخذ يراقبهم وهم يضعون صاحبه في حفرةِ ما، يهيلون عليه العدم وينتحبون . شعر بالحيرة والخوف، لم يفهم أو لم يرد أن يفهم كيف يمكن أن يصبح الظل شريداً، أو يتيماً كما خيل له، ساعتها اقترب بحذر مضطرب وهو يعكس غيمة شاحبة يبدو أنها قد ضلّت طريقها فاقتربت كثيراً من الأرض، توقف بمحاذاة ظل كسير لأحد أبناء صاحبه الذي كان تعلق بكتفه وحاول أن يسكب انعكاسه .
أنتَ لا تنتمي إلى هنا، وشوشه الظل الذي زاحمه بحنق
لماذا؟
اذهب وأبحث لكَ عنْ جسد آخر .
ألنْ يَرِثَنِي ؟
الظِلال لا تورث . . . تنتهي . .
دفعه ذلكَ الآخر بعيداً فتلقفه ما تبقى من الغيمة تلك التي بدت تتخذ طريقها للعودة أو التلاشي، أرعبته فكرة أن تتلاشى الغيمة فيضمحل معها، لكنه انقاد لحركتها بعفويةِ غامضة علها تلقيه في طريق مَنْ يحتاج إلى ظلٍ شريد، جابتِ به الغيمة المتهالكة المدينة بحثاً عن جسد . كل الأجساد هنا تسير ساحبةً انعكاساتها المبهمة خلفها، ولا جسد يسير خالياً إلا من كتلته . كاد يسلم للاضمحلال بيأس لولا أن توقفت أمامه سيدة صاخبة لَمْ يلمح لها انعكاساً في بادئ الأمر، لكنه حين أمعن النظر لمح ظلاً يندس وراء صخبها بخجل، دفع الهبوب الذي أخذ يهذي باقتراب المساء به وبالغيمة إلى جانب الظل الهزيل، انسل من غيمته وحاول أن يتوحد مع الظل
ماذا تفعل هل جننت؟ همس به ظل السيدةِ
أردتُ أن أعينكِ على هذا الصخب
أنا انعكاس الحقيقة هُنا، كل هذه البهرجة الخارجية مزيفة . . .
لكنني أراكِ هزيلة جداً . . .
وهي كذلك، يمكنها أن تزيف وجهها كيفما شاءت لكنها لن تستطيع التلاعب بالظلال ليست بحاجتك هنا أبحث لكَ عنْ ملاذٍ آخر .
دعيها تقرر . . .
لن تفعل وإلا لما تبعثرت بين كل هذه المساحيق، وعلى فكرة، أنتَ ظلٌ لرجل وعليك أن تدرك الفرق .
لملم خيبة أمله ومضى للغيمة التي تضاءلت في الحجم أكثر فأكثر في الوقت ذاته الذي أخذت تلك البقعة التي يشغل هو حيزها على الأشياء تبهت تدريجياً، أحس برفيقة التيه تربت على ضياعه وتسحبه بعيداً لبحثٍ جديد، فيما أخذ هو يشعر تجاهها بالامتنان إذ إنها الوحيدةُ التي قبلت أن تشاركه هذا الضياع المُربك، جال معها العتبات، تسلل انسكب وتطفل على ظِلال الأطفال والكهول والمسنين فكان يلقى في كل مرة رفضاً وخيبةً وإبعاداً
هيه، أنتَ . . . اقترب، صاح به ظلٌ لاهثٌ
أنا؟
أترىَ شريداً آخر هُنا
أنتَ مُنهك
جداً، أتريدُ أن تساعدني، يحتاج هذا الرجل هُنا لأكثر من ظل، لأكثر من عشرة وجوه مجتمعة وعشرة أجساد .
لمْ ينتظره ليكمل، أسرع إلى جانب صاحبه اللاهث وتوحّد به ملتصقاً بجسدٍ دافئ، لكن إحساساً مبهماً صدّ التصاقه، شعر بأنه لا يعكس إلا شحوباً أو خواءً لا وجود له من الأساس، فتململ في انعكاسه وافترق عن قريبه المنهك هامساً .
هو ظلٌ لظلْ
ظلٌ لظِلْ؟
الوجه الأول يستعبده ما يعقبه وصولاً لآخرها، الوجه الأول ظل العاشر، والعاشر يتبعَ وجهاً ما، الأول مُسِخَ فلا ظلَ له، والعاشر لا يستحق أن يعكسه ظل خالص .
يبدو أنك تهذي .
ترك بعدها اللاهث يرمقه باستخفاف، وتجّردَ منه ومن الغيمة التي لفظت بياضها الأخير أمام عتبة المساء، استقام على الجدارِ الموازي لعمودِ إنارة تثائب اليقظة، وتهجّأ خطوته الأولى بلا جسد، تمتم بينه وبين نفسه سأتجرد من الذات، من الآخر .
رد: إبداع ... الظلال لا تورث - قصة: صالحة عبيد
شكراً على النقل وانتقاء المواضيع الجميله
دمتي بسعاده دائمه ...
رد: إبداع ... الظلال لا تورث - قصة: صالحة عبيد
شاكرة حضورك الرفيع،
دمت بخير،