ذات صباح في «عيون موسى» - جلال برجس
ذات صباح في «عيون موسى»
جــلال برجـس
* الدستــور الاردنيــــة
كأن بي عطش المجرّات للجري على حافة الهواء. يقتادني إيقاع الريح لطقس المكان ، ولطقطقة الماء على وعي الحصى والحجارة ، كأنني ما جئت هذا المكان من قبل. وقفت أُشْرًع روحي للماء وهو يوّلد رقراقاً كقصيدة فاجأت شاعرها. الريح في أعالي الجبال تقول رتمها همساً خفيفاً على القلب. السماء زرقاء صافية تحتفي بالشموس الربيعية. وأنا مازلت أنا: ذلك الشيء الموشوم بعطش للحياة. الطريق التي تهبط نحو عيون موسى لولبية بدت كأنها أفعى طويلة رأسها يمتد ليشرب من ماء العين ، فَهَبَطْتُ أكابد انحدار الجبل ، أيمم ماء العين ، أحاول ـ كما المرّات السابقات ـ أطفئ عطشي الكوني.
كما يليق بالحياة ذاتها وبالشموس رأيت الماءَ ينفلت من ذاكرة الحجر ، كولدْ يسلم ـ بانتباه القادم من رحمْ باتجاه الرياح - على الجبال: يرشّ السلامَ موسيقى لها نكهة التين والزيتون ، ونكهة التاريخ عندما تعلنه تفاصيل المكان على شكا راية ترفرف في أعالي الذاكرة ، على الوهاد يوزع وصاياه للبذرة ، ويرشق جسد الحصى بثيمته الأبدية:
" ملساء
ملسااااااااااااااااااااااااء بطون الحصى
وحنونة
حنوووووووووووووووووونة أنامل الماء.
أبي الماء
والطين صدى لقدمين لي من هذيان
أبي الماء
هذا الذي زوَّج لثغتي الريح
يعْرف منذ علمني السؤالَ
شكل أنامل الظل على جَفنيّ قلبي
يعْلم أنني إبن حالاتي الغمامية
أشهقه مع الريح
وأزفرني خفيفاً إلا من السؤال
وأنا الذي مازال يحلم بحياة
على شكل نهدْ
ضالع بالانتصار"
كما يليق بسليقة العمر يهبط الماء من (عيون موسى) رقراقاً يسلم على شرفة الروح ، ينزل من أعالي الحجر يسرّح شَعر العشب - بهوادة - ويربت على كتف اخضراره بأزليته التي ما زالت ترفع رتم الإنسانية قدام الجدب ، واليباب والاصفرار ، والقحط ، ليعلو الاخضرار ، وتبتسم نواجذ الحياة.
العشب قناديل خضراء من سقف الكهف تتدلى ، كأنها تضيء باحات الروح بمشتهى القلب ، تين على سجية الماء يكتب صك الاخضرار برعونة لذيذة ، زعتر على محمل الشمس يسرد نكهة النايات ، عبهر يلوّح لطائر افترش الهواء البعيد في مرتقى يرقب سر الينابيع وسر الأبدية:
"الماء أبدية لموسيقى من أمنياتْ
في شرفة القلب
وقلبي أبدية الهذيان وراء ظل الحياة
صيّرتني يارب مصاباً براعشي
فقلّ للماء أن يحتمل هذا الجنون
وهذا الشبق"
في الأعالي طائر صار سيد الريح وهو يعاين عيون موسى ، يتتبع شهقاتها وهي تسرد للعطش سر الارتواء. يا حارس المكان هبني سرك الأبدي ووشح أكتاف روحي بموسيقاك ، يا حارس المكان هب قلبي ما تيسر من عشق ومن فرح ومن حياة ومن تجلي. من هناك ، من كتف نيبو ، هبطتُ إليك ، في البال لثغة من حنين ، وفي القلب حنين للثغة أولى ولنهنهات العشق على باطن كفها ، الجبال حولك اتشحت بالأخضر ، أغنية ترددها بنات النعش في ليالي الربيع ، والشمس في كبد السماء تطل باسمة شهية كأنها تطل للوهلة الأولى ، السماء فوقك صافية كقصيدة تحكي شؤون القلب ، والصمت ساكن في محراب كركرات الماء. من رحم الصخر ومن بين ترائبه تطل قصائدكَ ، قصائد حياة تقول مشتهاها بأعلى صوت تتقاذفه أكتاف الجبال ليصير سوناتا تشهر ابتهاج المكان بذاكرته التي لا تزول ، ذاكرة تؤرخ لنهنهات الماء على صدر الحصى:
"لم أشأ في خلاياي الخطيئةَ
والخطيئة لم تشأني
سقطتُ هنا كحبة سمسمْ
وارتميتُ في حضن التراب مضمَّخاً بالشمس
مرتوياً مياه
نَمَوْتُ".