سميح القاسم: لا يوجد شعر خارج الوجع الإنساني
تجاوز السبعين عاماً ومؤلفاته تصل إلى 70 كتاباً
سميح القاسم: لا يوجد شعر خارج الوجع الإنساني
يعد الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم إحدى القامات الأكثر علواً في خريطة الشعر العربي عامة، والشعر الفلسطيني خاصة، كما أن مجرد ذكر اسمه، يعيد إلى الذاكرة أسماء عدد من شعراء المقاومة الفلسطينية ومنهم: محمود درويش وتوفيق زياد، وهو آخر الأحياء من هؤلاء العمالقة المبدعين المقاومين ضد الاحتلال، ممن كان لقصائدهم فعل الرصاصة، وكانت ولا تزال تردد في المعارك وساحات المواجهة، يستظهرها الصغير والكبير، كعلامة فارقة لفلسطين، وبيارات فلسطين، وروح فلسطين، ونبض فلسطين، ورائحة فلسطين، بل ليغدو القاسم من خلال تشبثه بمكانه، وذوده عنه، على نحو أسطوري، كأحد الأسماء الشعرية، ذات الحضور الإبداعي العالمي، وليحيل اسمه إلى مكانه ذاك، كما يحيل المكان نفسه إلى اسمه، في مواءمة واندغام لافتين، وهو سرّ لا يمكن أن يصل إليه، ويمتلكه، إلا من كرس حياته كلها، من أجل قصيدته وموقفه، دافعاً ضريبة ذلك على أصعب نحو، وهو شأن المبدعين العظام، هؤلاء المبدعين الذين يعد القاسم أحدهم بلا ريب .
أصدر الشاعر القاسم مجموعته الأولى “مواكب الشمس” وهو دون العشرين من عمره، ها هو الآن وبعد ما يقارب السبعين عملاً إبداعياً من مؤلفاته شعراً ونثراً، وبعد أن تجاوز السبعين من عمره، يكتب بمثل ذلك الوهج والألق والصفاء الذي ميز قصيدته، من دون أن يثبط نصف قرن ونيف من الإبداع والمواجهة روحه وقصيدته، بل لتبقيا شامختين، كي يرتقي بهما، وترتقيا به، ليكون أحد رموز الإبداع المقاومين في العالم كله .
زار القاسم مؤخراً دولة الإمارات مع وفد فلسطيني كبير لإحياء مناسبة “يوم الأرض” وكان للخليج الثقافي الحوار التالي معه:
ثمة من يرى أنه لم يعد للشعر مثل ذلك الدوي والتأثير اللذين كان يؤديهما في عقود سابقة، بم تعلق على هذا الكلام؟
- للسؤال أكثر من بعد، وأكثر من سرّ ومعنى، وهو أكثر من سؤال، بعضهم يسأل عن جدوى شعر المقاومة، وأدب المقاومة، وغيرهم يسأل عن جدوى الشعر، ذاهباً إلى أكثر من ذلك، قائلاً: إن الشعر لم يعد ديوان العرب، والرواية احتلت موقع الشعر، هناك أيضاً نزعة تقول بإنهاء زمن الشعر والأدب معاً بشكل كامل . كلّ هذا الكلام من قبيل الهرطقة والفوضى غير الخلاقة، الشعر لايزال بما هو ماثل للعيان في طليعة العملية الإبداعية العربية، والعالمية، إلى جانب السينما ولا ضرورة للسؤال أصلاً لأن ما أراه في أمسياتي، وفي احتفالياتي الشعرية، يقول إن الإنسان العربي لم يفقد صوابه، ولايزال عميق الإدراك والشهوة الفنية الراقية، ولا يزال يحبّ الشعر، إذاً أعطه شعراً، وستجد أي إنسان هو، كما هو معروف عنه .!
ربّ قائل: إننا لم نعد نسمع قصائد شعرية محلّقة كما كان الحال قبل غياب محمود درويش؟
- أحياناً أشعر بكثير من الحرج أمام بعض الأسئلة، طبعاً أعرف أن الإعلاميين يحبون السؤال الاستفزازي والمثير، وحين يزجّ باسم أخي ورفيق عمري محمود درويش، فإن هذا ما يسبب إرباكاً أكبر بالنسبة إلي، لأني أقلّ حرية في الكلام عن أصدقاء رحلوا، مما لو كانوا على قيد الحياة، القصائد يا عزيزي لا تزال القادرة والمؤهلة للتحليق بغزارة وعنفوان، وباختصار: الشعر العربي بخير، مع وجود أسئلة وإشكالات أقرّ بها .
ماذا عن شعر المقاومة؟ هل نستطيع القول إن هذه القصيدة التي لفتت أنظار العالم كله في فترة ما، لا تزال تردد في ساحات المواجهة والمعارك؟
- اذهب إلى أي تظاهرة، وستسمع قصيدة “تقدموا . . . تقدموا”، وستسمع يا عدو الشمس لكن لن أساوم، وستسمع “إذا الشعب يوماً أراد الحياة . . . .” .
لوحظ أن عنوان أكثر من مؤلف لك يحمل اسم محمود درويش، ما سبب ذلك في رأيك؟
- بالنسبة إلي، فإن محمود ليس مجرد شاعر آخر، إذ إنه بعد صدور مجموعتي الأولى 1958 كنت فتى مابين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من العمر، ووصلتني رسالة وقعها طلاب من ثانوية كفر ياسين، والموقعون على الرسالة هم: محمود درويش ومحمد علي طه “كاتب مرموق” وسالم جبران “شاعر” يهنئونني على إصدار مجموعتي، ويطلبون زيارتي، فرحبت بهم، وزاروني في بيتي، وقضينا معاً يوماً في الرامة “الجليل”، وعلى سبيل المداعبة قال أحد الشبان: أنت تشبه “اللورد بايرون” الشاعر الإنجليزي المعروف، ومحمود يشبه “شيللي” ومن هذه الدعابة بدأت صداقتنا، وأصبح محمود فرداً من أسرتنا، وزرته في المقابل، وغدوت فرداً من أسرته، ولأنني أكبر منه بسنتين، فبطبيعة الحال أصبحت بالنسبة له الأخ الأكبر، وهو لا يخفي ذلك في رسائله، وكتاباته، ويبين حبه لقصيدتي، وقد أحبّ مناخي الشعري، وأصبحنا شريكين، ولم يكن بيننا في أي وقت شيء مما يسمى المنافسة السلبية، وهو يقول مثل هذا الكلام نفسه .
أتذكر أنه في ثمانينات القرن عند صدور ديوانك “كولاج” فإن بعضهم قد عده أحد أشكال التجديد في الكتابة الإبداعية بم تعلق على مثل هذا الكلام؟
- لم أضع مشروعاً شعرياً، من خلال “كولاج”، وأعتقد أن كل شاعر يتحدث عن مشروعه، يخرج عن الشعر، المشروع يتحقق، ولا يخطط له، وعملي أقرب إلى الفطرية والعفوية والثقافة الذاتية منه إلى البرمجة، أنا لا أبرمج، فقد شعرت بحاجة فنية لقول شيء مختلف عما يقوله الآخرون، فظهر لي ما سميته “السربية” 1965 من كلمة: سرب-أسراب الطيور، وهو يتم بمستويات متفاوتة، تشريقاً وتغريباً، ضمن السرب نفسه، حيث يمكن معالجة أكثر من موضوع في وقت واحد، ولا حظت أن عدداً من الشعراء العرب استخدموها من دون الإشارة إلى الأصل، ولا بأس هنا، فالشمس حين تشرق لا تسأل من يتدفأ بها؟ والمطر لا يكترث بالتفكير: من يستفيد منه؟ وهكذا هو حال قصيدتي، والكولاج كان نتاجاً جديداً، وقد أخذت تسميته من فن التشكيل، ليكون هناك “كولاج” شعري في المقابل .
هل استطاع النقد مواكبة تجربتك الإبداعية ذات الملامح البارزة والتي تمتد على مدى عقود زمنية؟
- لا أشكو في هذا الجانب قط، لم يقصر كبار النقاد العرب والأجانب في تناول تجربتي، لكن من دون شك هناك مساحات ومناخات في قصيدتي، لم يلتفت إليها النقاد، بسبب الحالة السياسية، وبهذا المعنى إن الجواهري ظلم، موقفي السياسي لا يتفق مع النظام الرسمي، ولامع العولمة، التي تعني في رأيي هيمنة الثقافة الأمريكية، ولا يتفق مع صدامي الدائم مع المؤسسة الصهيونية بصعوبة أجد لي موطئ قدم في هذا العالم لدي إشكالاتي في الإطار الفلسطيني، والعربي، والدولي، وأعرف أنني لست أغني مع السرب، منذ بداياتي وحتى اليوم .
ماذا عن موقفك الإيديولوجي الذي طالما يتمّ الحديث عنه، كأحد الملتزمين بالفكر الماركسي؟
- لست مؤطراً سياسياً، وفي الحالات النادرة التي كنت ألتزم خلالها في إطار حزبي، أو حركي، كنت أبحث عن الموقع الذي أستطيع من خلاله مقاومة الرجعية، والعنصرية، والاستعمار، والتخلف، لا يستطيع أي إطار أن يمتلكني، الأطر أدواتي ولست أداة الإطار .
ماذا عن عمل المبدع في الصحافة؟
- الشاعر الذي لا ينصهر في العمل العام، إما في الصحافة، أو في مصنع، أو في شقّ طريق لا ينتج شعراً حقيقياً، كل شعر خارج الهم الإنساني والذاتي والاجتماعي هو هراء، لا يوجد شعر على الإطلاق خارج الوجع الإنساني . يوجد شعر افتراضي، وشعراء افتراضيون، وأنتم تهللون للشعر والشعراء الافتراضيين، الثقافة العربية ضلل بها، وسيقت إلى زوايا مظلمة، والانصياع لأوامر الطغاة والغزاة .
كيف؟ . . أتقصد بهذا زج الشعر نفسه في قضايا المدح؟
- الفكر، الشعر، الإعلام بمعظمه، أجل بمعظم أنواعه وفنونه، أدى إلى ما يحدث الآن في العالم العربي، ليغضب من يشاء، قطعان كبيرة في الإعلام والثقافة تحولت إلى أقنان لدى أنظمة ومؤسسات وشركات، أنت تدرك هذه الحقيقة، لماذا هذا الاستفزاز المتواصل؟ لا توجد ثقافة حقيقية، ولا فن، ولاشعر حقيقي، خارج الهم الإنساني والوطني والقومي والاجتماعي .
أمام ثنائية جمالية النص وحضور المعنى إلى أيهما ينبغي أن ينحاز الشاعر؟
- لقد لخصت الفن والسياسة في جملة واحدة، فأنا أحب بيكاسو فنان القرن العشرين، لكن في الوقت نفسه أحب سلفادور دالي ذلك السريالي المجنون، لكن الفن والموقف موجودان عند بيكاسو، أما عند دالي فليس إلا الفن والجمالية المجردة . وإذا خُيرت أن آخذ لوحة من أحدهما-مع حبي لدالي- فإنني سأختار لوحة بيكاسو، لأنها تجمع بين الجمالية والجدوى الإنسانية .
تحدث شوقي خميس عن البناء الأوركسترالي في قصيدتك ماذا تقول هنا؟
- إنه تعبير دقيق عن روح قصيدتي، ولكأني به قد التقط اللحظة الحقيقية، قصيدتي ليست قصيدة آلة واحدة، وإنسان واحد، أعتقد أنها قصيدة إنسان تقمص البشرية، تقمص الإنسانية كلها، فيها أصوات كثيرة، ووجوه كثيرة، من خلال صوتي ولوني ووجهي، من هنا اكتشف الناقد حالة أوركسترالية، تعدد الآلات والرؤى والصور وأشكره .
هل ثمة فضاءات أخرى لقصيدة المقاومة يحلق فيها الشاعر الفلسطيني، وهل لا يزال هذا الشعر محافظاً على وتيرته التي عرف بها، أم أنه بات يميل إلى بعض مفردات المرحلة ومن بينها لغة الحوار؟
- تتعرض مقولة شعر المقاومة لسوء فهم لها أحياناً، شعر المقاومة هو شعر حياة ضد الجريمة، الحياة ضد القتل، فيه عنصر الحب، والطبيعة، فيه الحياة الأسرية، ألفة البيت، وفيه مقاومة القاتل والمجرم، الفن حالة دفاع عن النفس، الفنانون حتى حين يهجمون فهم يدافعون عن أنفسهم وكرامتهم، سألوا لوركا ذات يوم لِمَ تتدخل في السياسة وأنت شاعر كبير؟ فقال: أنا لا أتدخل في السياسة، أنا أدافع عن ابتسامة المواطن الفقير، سميح ليس لديه ابتسامة، لدي دمعة اسمها فلسطين، ومن حقي الدفاع عنها اسمحوا لي بالدفاع .
تظلّ نصوص المقاومة القديمة: حوارية مع سجان، حوارية الحوار مع الآخر هو جزء من أدب المقاومة، لكن التغيير طبيعي، هل يكتب شاعر عمره 72 سنة، كما يكتب شاعر عمره17 سنة؟
- ليس معقولاً، الثقافة تتغير، التجربة، الحياة، الممارسة، كلها تتغير، لا أزعم أني أملك حماس من هو في سن العشرين، كنت أعتقد أني بونابرت قادر على تغيير العالم، وكنت أقول في إحدى قصائدي: أنقل الأرض من مدارها لمدار آخر، روح الشباب تختلف عن روح اليوم، وهي الآن أكثر عمقاً، الصدق الشعري والإنساني في المفهوم الأخلاقي ضروري للأدب والشعر، والجمهور في رأيي أذكى ناقد يميز بين التهريج وما هو صادق، الجمهور ناقد خطير حتى ولو كان أمياً، إنه بحاسته السادسة يميز بين دجال مهرج، وشاعر حقيقي .
المعروف أنك تعرضت للسجن مرات كثيرة، ما الذي تعلمته من هذه التجربة القاسية، وما انعكاس ذلك على قصيدتك؟
- لا أحصي السجون التي دخلتها، وأعرف أني مررت بحالات السجن، والتهديد، والقسوة، فيها ظلم غير معقول، وغير منطقي واعتداء على أبسط حقوق الإنسان في أن يكون حراً، كما لابد من الإشارة إلى جبن السجان، فهو جاهل، وأحمق، السجان أضعف من أن يحاورني، وهذا يدل على أنه عاجز، وأنني على حق، وهو باطل، عاجز يواجه قوياً ومحقاً، وهو ما يتصادى في نصوص كثيرة لي .
كيف يمكن النظر إلى ما يجري الآن من تحولات وتغييرات عميقة من حولنا بعين الشاعر الحذق؟
- لست ناطقاً رسمياً باسم الحركة الشعرية، حسبي أن أتحدث هنا عن قصيدتي، لقد قرأت وأقرأ عما يحدث في تونس وفي مصر واليمن والعراق ومختلف أرجاء الوطن، لم أكن بحاجة لقصيدة جديدة، قرأت من قديمي، اتضح وكأنه كُتب الآن، قرأت قصيدتي في مئوية الشابي، بدت لي وكأنها كُتبت الآن، قرأت قصيدة مصر، وادخلوا مصر آمنين، في احتفالية شوقي، وأقرأها الآن، كأنها كُتبت في غمرة الأحداث، إنه لغز الشعر الأصيل الذي يظل وكأنه قد كُتب للتو .
كيف يتم النظر إلى قضايا الشعوب بعين الشاعر الفلسطيني؟
- الشعر التقدمي العربي، وفي صميمه الشعر الفلسطيني -على اعتبار فلسطين القضية الاستثنائية- قد تناول كل قضايا العالم، وعكس نضالات حركات التحرر في آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وقضايا الكرد، والأمازيغ، والأرمن، بل وقضايا الفقر، والاستبداد، والفساد، كلها وجدت لنفسها حيزاً في تجربتنا الشعرية، وهذا أمر طبيعي: كيف أستطيع أن أكون صادقاً إذا تحدثت عن همي الشخصي، وتجاهلت هموم الآخرين؟ والعمل الفني ينطلق من الذاتي إلى العام، أو من العام للذاتي . وحين كتبت عن الثورة الفيتنامية، بطبيعة الحال، كنت أعبر عن ثورتي، وحين كتبت عن كوبا، كانت فلسطين حاضرة، الإنسان واحد، ومتكامل ومتداخل، والرؤية الشعرية يجب أن تشمل الوجود كله .
ما الذي يمكن أن تتحدث به عن التقاط اللحظة الشعرية في قصيدتك؟
- أحبّ تشبيه العملية الشعرية بالينابيع، فالسماء تهطل، تتغلغل المياه إلى جوف الأرض، بعد ذلك تحدث الرعود، تخلخل التربة والصخور، فتجد المياه الجوفية مخرجاً، مسرباً، ويتكون الينبوع، وهكذا القصيدة، يختزن الشاعر في حياته تجارب شتى في لحظة معينة تتملكه رعود داخلية لا يسمعها أحد سواه، فيجد ضرورة في إخراج هذا النبع إلى الورق، أو إلى الحاسوب كما تفعلون اليوم . لا أتعاطى مع الحاسوب، مع أني أعرف أنكم معاشر الشعراء الجدد تتعاملون مع الحاسوب بطرق مختلفة ومتطورة، الإبداع حالة لا توقيت لها، أحياناً أكتب على علبة سجائر صورة في بيت من الشعر، أو على بطاقة تعريفية لصديق، أكتب على ظهرها، وفي وقت لاحق حين يتهيأ شرط الكتابة، وأفضل الأوقات بعد منتصف الليل، يكون العالم نائماً، أجلس إلى مكتبي، إما في غرفة عملي، أو في المطبخ -وأفضل المطبخ لأني أكون أقرب إلى القهوة- وأكتب حتى اللحظة الزرقاء، في نهاية الفجر، وآخر الليل، نعم اللحظة الزرقاء كما أسميها، أخرج للشرفة، أرى العالم كله أزرق . . أزرق، وتملكني إحساس ذات يوم، بأن هذه اللحظة الزرقاء أصبحت ملكاً شخصيا لي، وفكرت في الذهاب إلى تسجيل العقارات لتسجيلها كملكية خاصة لي، آنذاك أودع المنفضة، والقصيدة، والقهوة، لأذهب إلى النوم، وفي الصباح تنشغل زوجتي بتنظيف البيت، وهي تتأفف كثيراً من تدخيني .
كيف ينظر سميح القاسم إلى الشعر الفلسطيني الجديد؟
- سأكررها، لست إقليمياً، فلسطين حبيبتي، وكذلك موريتانيا ومصر وسوريا والعراق . لذلك أقول: إن في الشعر العربي في مرحلته الراهنة أصواتاً جديدة وجميلة، ومبشرة بألف خير، ولكنني أدعو إلى الكفّ عن ممارسة هذا الصراع غير المسوغ، بين قصيدة النثر والعمود، فالشعر يكمن هنا وهناك، إذ يوجد شعر أو لا شعر، سواء في قصيدة النثر أو العمود . ليس كل ما هو عمودي رائع، وليس كل ما هو نثري رائع، هناك أطنان من الكلام التافه في كل منهما .
إذاً، لست ضد قصيدة النثر؟
- لا، لست ضد قصيدة النثر، هناك شعرية في هذه القصيدة عند بعضهم، وهناك شعرية في الموزون، ليس كل وزان شاعراً حقيقياً، وليس كل ناثر مرفوضاً . فهل يمكننا شطب اسم محمد الماغوط من الشعرية العربية؟
وماذا عن سليم بركات؟
- إنه على الطرف الآخر، لا مجال للمقارنة .
كيف؟ إذ ثمة من يراه من أهم من كتبوا القصيدة الجديدة؟ محمود درويش كان معجباً جداً به، وكان الأقرب إليه، هل تعني أن نصه غامض؟
- هناك غموض أصيل، وهناك غموض مفتعل، وهناك وضوح أصيل، وغموض مفتعل، لا ليس كل غموض مرفوضاً .
كيف تنظر إلى قصيدتك في ميزان النقاد؟
- هناك علاقة جدلية من دون أي شك بين النقد والإبداع، الحركة النقدية لا تستطيع انتاج حركة إبداعية، ومستوى الإبداع هو الذي ينعكس في مستوى النقد، أعظم ناقد في العالم أعطه قصيدة رديئة، فلن يبدع في كتابة نص نقدي مواز، مستوى الإبداع النقدي مرتبط بمستوى الإبداع، وفي المقابل أعط الناقد عملاً استثنائياً، فسيقدم دراسة استثنائية، أحب الناقد الذكي والمتفرد في أبحاثه، وعلى سبيل المثال قرأت دراسة للباحثة الأمريكية تيري ديونغ، حول تجديد الجناس العربي في قصيدة سميح القاسم، نقادنا لم يلتفتوا إليها للأسف، أتمنى على نقادنا البحث عن زوايا غير مطروحة، لا يكفي أن يقال إن قصيدتي مقاومة، بل لا بد من الولوج إلى عوالم الشكل، وليس الوقوف عند عتبات المضمون .
يترك المثقف الأصيل -مسافة- بينه والسلطة كيف تنظر إلى هذه الثنائية؟
- الثقافة في جوهرها عملية تمرد وتجديد، واكتشاف وتغيير، خارج هذه المفاهيم تنعدم الثقافة، وبهذا المعنى لا يجوز للثقافة أن تكون تابعة للسلطة، لكن هذا لا يعني بالضرورة الصراع الدائم بين السلطة والثقافة، إذا كانت السلطة سلطة تثوير وتنوير وتغيير، فستنسجم معها الثقافة، لكن حين تتحول السلطة إلى مقعد وجهاز مخابرات وأدوات قمع، ويصبح الاستبداد حاضنة الفساد آنذاك يتجرد مفهوم الثقافة الحقيقي، فلا يجوز للثقافة أن تكون على الحياد .
كيف تقرأ انحسار عملية قراءة الشعر؟
- هناك حالة صراع ليس مع الرواية، كما يزعم بعضهم، بل مع أدوات الاتصال الحديثة، ديوان الشعر الآن يطبع في آلاف قليلة، قبل عقدين كانت دواوين الشعر تطبع في مئات آلاف النسخ، ولكن مع هذا إن الشاعر الذي يعبر عن نبض قارئه، يجد أن هناك من يسمع قصيدته ويترقبها، إلا أن ما حدث هو أن وسيلة الاتصال تغيرت، فلم يعد الكتاب وسيلة الاتصال الأهم، الفضائيات والإنترنت وغيرها من وسائل التقانة والإعلام، حلّت محل الكتاب، وهو ما يجعل الشعر أمام تحد كبير، حتى يعيد العلاقة بينه وبين قارئه من جديد.