هدوء نفسي
حبيب الصايغ
* دار الخليـج
التاريخ لا يعيد نفسه، بل يحتشد في المشهد كأنه يخلق للمرة الأولى . يقول التاريخ في لغة واثقة، عربية هذه المرة: أنا هنا . التاريخ يتأسس من جديد، فمن يجرؤ على الاقتراب منه؟ . . من يتصدى لتناوله وكتابته؟ . . من يتحدى ويتقن قراءة التاريخ العربي الجديد؟
صفحات غير مسبوقة بالتأكيد . عوالم من الضوء والليل وأصوات الطيور الجارحة . أصوات بعيدة بحيث لا تكاد تبين، وقريبة بحيث لا تكاد تلمس . ألوان وأكوان مختلطة، لكن لا ظروف ملتبسة بعد الآن . الحدود بين الرأي والرأي الآخر أوضح، والكلمات والألسنة أفصح . يافطات المدارس أعلى، ربما للمرة الأولى، من أسوارها، والكتب المدرسية تتجمع في الشوارع الخلفية وتقود مظاهرات من الصخب والشغب والوعي . الحركة بنت الحركة، والضمائر سليلة الضمائر . السلالات العميقة تغادر سلالها، وتنتشر من جديد في الصحراء العربية بحثاً عن الماء والكلأ من جديد . الجديد سيد الموقف . الجديد كأن لم يكتب من قبل، ولم يقرأ من قبل .
الجديد كأن لم يكن من قبل . جديد الكينونة والنحو والصفة والهيئة . جديد الدم، وهو ينشط ويتكدس سيلاً من اليقظة والحماسة . جديد العقل والقلب، سيد النهارات وهو يستثمر علاقاته الأزلية في بناء المستقبل . سيد الجهات وجديدها . العبقرية العربية خصوصاً الشابة وهي تنهض من مكامنها، وتشير إلى السواعد القوية، وإلى شلالات الحياة .
البحر وكائنات الطبيعة . الغزلان والأسود والنمور والمها وعيون المها . الأساطير ودفاتر الألفية الثالثة المقبلة . الدفاتر والمقابر . الحواجز والبوادي والأسرار . أسماء المواليد الجدد . أرقام هواتف الأحفاد . شلالات الورود التي لم تخطر على بال الماء . المعارك والمعاول . الألعاب الشعبية المندثرة في مدن الجن .
وقت التغيرات يحيط بالأعمار العربية الراكضة منذ الجاهلية بين كل لهاث ولهاث، فيما القلوب الهادئة نسبياً ترتسم على الوجوه، وتسهم، أكثر، في تحديد المشهد: السياسة أيضاً، هذه المرة، كائن حي، وفي المشهد الصناعة والزراعة جنباً إلى جنب، والمهن التقليدية، والطب، والهندسة، والحجامة، والشعر .
