رواية بمذاق الخسارة
“ميراث الخسارة” هو عنوان الرواية الثانية للكاتبة الهندية كيران ديساي، والتي حصلت من خلالها على جائزة البوكر الدولية في عام ،2006 ولم يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين، تدور أحداثها بين قرية صغيرة بائسة في الهند ونيويورك . في القرية يحب الشاب الفقير بيجو حفيدة قاضٍ هندي يعود من نيويورك لينعم بالهدوء في مسقط رأسه، والد هذا الشاب الفقير يعمل طباخاً في منزل القاضي، ويهيمن على بيجو حلم السفر للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية .
الخسارة مفهوم يسيطر على مجمل أحداث وشخصيات الرواية، فهناك التحايل بشتى الطرق للحصول على فيزا لأرض الأحلام، وحكايات موجعة ومؤلمة تسردها الرواية بحساسية مفرطة لهنود يعملون في مهن بسيطة في أمريكا وتشظٍ في هويات الكثير من الشخصيات الجانبية، وإدراك بيجو الذي يعمل بدوره طباخاً في أمريكا أنه لن يحقق ما يحلم به أبداً، ثم قرار العودة ومعاناتها . أما مشهد الختام فيلخص لنا ما تعنيه ديساي بالخسارة حيث يرجع بيجو المسلوبة حقائبه ليواجه أباه الذي يفتح له الباب بوجه متورم من أثر ضربات حذاء القاضي، وتنتهي الرواية بشعور سلبي تحس به حفيدة القاضي وهي تنظر إلى الأب وابنه حين تعانقا .
رواية ديساي جزلة ممتعة تجمع الكثير من سمات الفن الروائي بمعناه الحقيقي، في الرواية شخصيات مكتملة البناء ومصائر متداخلة ومرتبطة ببعضها بعضاً، وتصوير بارع لبيئة محلية تقليدية أفكارها أميل إلى الفطرية والتلقائية، وبيئة كوزموبوليتانية معقدة . المرارة أو الخسارة فيها متدرجة من الفردي إلى الطبقي إلى المعولم العابر للقوميات، الأفراد في الرواية لا يسردون آمالهم وطموحاتهم بصورة منعزلة وأنانية، ولا يسقطون أيضاً نتيجة لعقبات تعرقل مسيرتهم بطريقة ذاتية، ولكنه الحس الجمعي بمصائر ثقافات وشعوب وقعت في فخ الفقر وتبعاته الناتج عن الاستعمار ولاحقاً عن العولمة، وهو ما نجحت ديساي في نقله إلى المتلقي كأنها تقول إن هذه الشعوب وبصفة خاصة طبقات معينة منها لا تحصد إلا خسارتها .
في تصدير الرواية نقرأ أن ديساي أصغر روائية تحصل على جائزة البوكر، المعلومة تجعلنا نتذكر مواطنها الهندي أرافيند أديغا الحاصل على الجائزة نفسها في عام ،2008 عن روايته الأولى “النمر الأبيض” وعمره لم يتجاوز الثالثة والثلاثين، وربما نعود أكثر إلى الوراء إلى أروندهاتي ردى الهندية أيضاً والحاصلة على الجائزة نفسها عن روايتها الأولى والوحيدة “إله الأشياء الصغيرة” في عام 1997 لنسأل عن الأدب الهندي المعاصر والذي نتعرف إليه عن طريق الترجمة من الإنجليزية، وخاصة تلك التي تهتم بإبداعات حاصلة على جوائز دولية معروفة، أي أننا مازلنا نعتني بالأدب المكتوب بالإنجليزية والحاصل على جوائز، أما الثقافة الهندية الراهنة وفي القلب منها الأدب فأعتقد أن معرفتنا بها متواضعة جداً، أما كيفية حصول هذه الأقلام الشابة في تجاربها الأولى على جوائز عالمية خاصة في ظل حديث بدأ ينتشر في ساحتنا، عن ضرورة الالتفاف إلى ثقافة الشباب، فمسألة تحتاج إلى الانتقال المعلق من التنظير والدعوات إلى التحليل والكشف عن المواهب الحقيقية ومساعدتها بإخلاص وجدية .
