أخبار «الحلاج» وآلامه
* الرايـة القطـريـة
قام على خدمة شيخ سني يدعى سهل وهو علم من الزهاد
توجّه إلى التركستان لهداية الكفّار فيها وأدى الحج وعاد إلى بغداد فبدأت محنته
الحلاج متصوف غريب الأطوار.. وليس معتدلاً في تصوفه من نوع الغزالي وسواه
«آلام الحلاج» هو عنوان كتاب شهير للمستعرب الفرنسي لويس ماسينيون، تم نقله مؤخراً إلى العربية عن دار قدس في دمشق، وهو يتناول سيرة الحسين بن منصور الحلاج الشخصية الصوفية التاريخية، والذي حُكم عليه بالإعدام في بغداد سنة ٣٢٢ هجرية بعد محاكمة سياسية في جوهرها.
ومؤخراً أيضاً صدر في دمشق كتاب آخر عن الحلاج عنوانه «كتاب أخبار الحلاج/ أو مناجيات الحلاج» وهو من أقدم الأصول الباقية في سيرة الحسين بن منصور الحلاج البيضاوي (نسبة إلى مدينة البيضاء بفارس) البغدادي. وقد حققه كل من ماسينيون ومستشرق آخر تشيكي الأصل اسمه بول كراوس، وهو معيد سابق في جامعة فؤاد الأول وقد انتحر في مصر في الثلاثينيات من القرن الماضي وكان في ريعان شبابه. والكتابان يعتبران من المصادر الأساسية في دراسة هذه الشخصية الغريبة في تاريخ التصوف الإسلامي والتي لاتزال إلى اليوم تستوقف الكثيرين.
يقول ماسينيون في «آلام الحلاج»: لقد سمحت لي الدراسة النقدية للمصادر الموثوقة في هذا الموضوع الشعري، أكثر مما هو أدبي، بأن أؤكد أن الحلاج كان يدري فعلاً أنه منذور ليكون دعامة صوفية وشهيداً روحياً للإسلام عندما اتجه إلى الحج الذي أراد لاحقاً أن يحل هو نفسه محل أضحيته المنحورة هدياً في عرفات في سبيل العفو السنوي العام للأمة، وذلك بعد أن أعلن للعامة في بغداد رغبته في الموت جهاداً في العشق الإلهي، قبل ثلاثة عشر عاماً على أقل تقدير من يوم مقتله.
ونفهم من الكتابين أنه ولد في البيضاء بفارس نحو ٢٤٤ هـ وكانت مركزاً مبكراً للتعرب جنوبي إيران، ومخيماً منيعاً لجند البصرة ثم محطة ومنتجعاً ومركزاً لصك النقود للحملات العسكرية العربية في صعودها إلى شيراز وخراسان للجهاد ضد الترك ومستعمرة للحارثية من موالي قبيلة عربية يمنية هي البلحارث.
يكمل الحلاج تعليمه في سن السادسة عشرة ويرحل إلى تستر ليقوم على خدمة شيخ سني متحمس وصوفي مستقل جسور اسمه سهل. ونستشف من هذه الخطوة المصيرية التي ستلزمه كل حياته، حاجته إلى نهج يستبطن به ممارسة الشعائر عبر الفقر الروحي. وكان سهل علماً من الزهاد وأول من كتب تفسيراً رمزياً تأويلياً للقرآن الكريم.
بعد ذلك يغادر فجأة إلى البصرة ليكرس نفسه للتصوف ويلبس الخرقة. كانت البصرة مركز اشعاع روحي وصوفي، وفيها يتزوج. ويقوم بعد ذلك برحلات إلى الشرق مبشراً في المراكز الإيرانية المستعربة. ثم توجه إلى التركستان لهداية الكفار فيها. ذلك أن هداية الترك تمثل أحد شروط الساعة في نهاية الزمان. ويصل إلى التركستان. ولكي يصل إلى تلك المناطق، يرافق إحدى قوافل أصدقائه البارزين من تستر ممن يحملون البروكار العراقي الفاخر ويعودون بالورق الصيني تحت حماية الأمراء السامانيين الذين شجعوا المبشرين والمطاوعة من أهل الجهاد. وقد وعظ مستعيناً بمترجمين من الصفد وكتبة نسطوريين أو مانويين، لكي يفند الهرطقة وثورة الشر على الخير في الزندقة المانوية عند حدود الإسلام الأخيرة كما فعل في الأهواز مع المعتزلة، ولكي يحافظ على توازن العالم الروحي على طريقة الأولياء الأبدال، أهل الثغور والرباطات، ولكي تهفو الأفئدة إلى الله وحده فتقهر إغواء السوء.
ويحج إلى مكة ويعود إلى بغداد وفيها تنشأ محنته التي أودت بحياته لاحقاً. يحاكم الحلاج بتهم شتى منها الزندقة والكفر. يعلن الوزير حامد إعدام الحلاج ويسلم الأمر بذلك إلى صاحب الشرطة عبدالصمد. وتتخذ اجراءات حيطة من الغليان الشعبي. وفي المساء يتعظ الحلاج في زنزانته من استشهاده ويستبصر قيامته الظافرة في مناجاة سجلها إبراهيم بن فاتك.
بعد ذلك، وفي باب خراسان، على عتبة آمرية الشرطة يُجلد الحلاج وتقطع أطرافه ويُرفع على الجذع وهو لايزال حياً. حاوره أصدقاء وأعداء وهو مصلوب، وأحرق الثائرون من أنصاره بعض المحال. ثم أُجلت ضربة الرحمة «قطع الرأس» إلى صباح اليوم التالي لكي يتمكن الوزير من الحضور في أثناء تلاوة الحكم. ولكي يضمن حامد تمام الموافقة من الخليفة على تنفيذ الحكم، قال له: «وإن أصابك شيء بعدها فاقتلني».. لكن روايات عجيبة ذاعت في تلك الليلة المأساوية. وقد يكون حامد تصرف بفطنة بأن أخلى مسؤوليته ومسؤولية الخليفة ودعا ممثلي الأمة الإسلامية والشهود ليصيحوا بصوت عال: «أقتله ففي قتله صلاح المسلمين ودمه في رقابنا». سقط رأس الحلاج وصُب النار على بدنه وأحرق وحمل رماده إلى رأس المنارة وأُلقي في دجلة.
ويتضمن كتاب «أخبار الحلاج» قصصاً كثيرة حول سيرته، وبخاصة حول نجاواه وأيامه الأخيرة. نقرأ مثلاً:عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليُصلب، رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبلي بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخ.. قال أفرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. قرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى: «لنبلونكم بشيء من الخوف والجوع».
وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى: "كل نفس ذائقة الموت". فلما سلم ، ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته: اللهم إنك المتجلي في كل جهة، المتخلي عن كل جهة. بحق قيامك بحقي وبحق قيامي بحقك، وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها علي حيث غيبت أغياري كما كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرك. وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليتُ بما ابتليت، فلك الحمد في ما تفعل ولك الحمد في ما تريد. ثم سكت وناجى سراً. فتقدم أبو الحارث السياف فلطمه لطمة هشمت أنفه وسال الدم على شيبه. فصاح الشبلي ومزق ثوبه وغشي على أبي الحسين الواسطي وعلى جماعة من الفقراء المشهورين. وكادت الفتنة تهيج ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا.
وعن ابن الحداد المصري قال: خرجتُ في ليلة مقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل رحمه الله، فرأيت هناك من بعيد رجلاً قائماً مستقبلاً القبلة. فدنوت منه من غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور «الحلاج» وهو يبكي ويقول: يا من أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، أنت المنفرد بالقدم، والمتوحد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال، فلا شيء فوقك فيظلك ولا شيء تحتك فيُقلك، ولا أمامك شيء فيجدك، ولا وراءك شيء فيدركك. أسألك بحرمة هذه التُرب المقبولة والمراتب المسؤولة، ألا تردني إلي بعدما اختطفتني مني، ولا تُرني نفسي بعدما حجبتها عني، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك. فلما أحس بي التفت وضحك في وجهي ورجع وقال لي: يا أبا الحسن، هذا الذي أنا فيه أول مقام المريدين. فقلت متعجباً: ما تقول يا شيخ! إن كان هذا أول مقام المريدين فما مقام من هو فوق ذلك؟ قال: كذبتُ هو أول مقام المسلمين، لو بل كذبت هو أول مقام الكافرين. ثم زعق ثلاث زعقات وسقط وسال الدم من حلقه. وأشار إلي بكفه أن اذهب. فذهبت وتركته. فلما أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية وقال: بالله عليك لا تُعلم أحداً بما رأيت مني البارحة!.
نحن إذن أمام متصوف غريب الأطوار مُنْبهم السريرة، ولسنا إزاء صوفي معتدل في تصوفه من نوع الغزالي أو سواه. والأخبار الكثيرة التي ينقلها ماسينيون وبول كراوس عنه في «أخبار الحلاج» هي من نفس المعدن الذي سقنا نماذج منه فيما تقدم. فالحلاج في مناجاة دائمة مع الله، وفي مكاشفات لا تنتهي، وفي حوارات مع الخالق أنكرها المسلمون في زمانه وقد أدت كما نعلم إلى قتله وحرق جثته وإلقاء رمادها في دجلة.
من أخباره في هذا الكتاب التي تدل على قوة انجذابه إلى خالقه وقوة الجوى في ذاته يروي أبو الحسن علي بن أحمد بن مردويه أنه رأى الحلاج في سوق القطيعة ببغداد باكياً يصيح: أيها الناس أغيثوني! فإنه اختطفني مني وليس يردني علي، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة وأخاف الهجران فأكون غائباً محروماً، والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصل. فبكى الناس لبكائه حتى بلغ مسجد عنّاب فوقف على بابه وأخذ في كلام فهم الناس بعضه وأشكل عليهم بعضه. فكان مما فهمه الناس أنه قال: أيها الناس إنه يحدّث الخلق تلطفاً فيتجلى لهم، ثم يستتر عنهم تربية لهم. فلولا تجليه لكفروا جملة، ولولا ستره لفُتنوا جميعاً، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين. لكني ليس يستتر عني لحظة فأستريح حتى استهلكت ناسوتيتي في لاهوتيته، وتلاشى جسمي في أنوار ذاته. فلا عين لي ولا أثر ولا وجه ولا خبر. وكان مما أشكل على الناس معناه أنه قال: أعلموا أن الهياكل قائمة بياهوه والأجسام متحركة بياسينة، والهو والسين طريقان إلى معرفة النقطة الأصلية. ثم أنشأ يقول:
عقد النبوة مشكاة من النور
معلق الوحي في مشكاة تامور
بالله ينفخ نفخ الروح في خلدي
لخاطري نفخ اسرافيل في الصور
إذا تجلى بطوري أن يكلمني
رأيتُ في غيبتي موسى على الطور
ويروي أحمد بن فاتك: كنا بنهاوند مع الحلاج وكان يوم النيروز. فسمعنا صوت البوق فقال الحلاج: أي شيء هذا؟ فقلت: يوم النيروز. فتأوه وقال: متى نُنورز؟ فقلت: متى تعني؟ قال: يوم أُصلب. فلما كان يوم صلبه بعد ثلاث عشرة سنة نظر إلي من رأس الجذع، وقال:
يا أحمد! نُورزنا! فقلت: أيها الشيخ هل أُتحفت؟ قال: بلى، أُتحفت بالكشف واليقين وأنا مما أُتحفتُ به خجلٌ غير أني تعجلتُ الفرح!
وللحلاج أشعار كثيرة يرد قسم كبير منها في هذين الكتابين، منها:
لأنوار نور النور في الخلق أنوارُ
وللسر في سر المسرين أسرارُ
وللكون في الأكوان كون مكون
يكن له قلبي ويهدي ويختارُ
تأمل بعين العقل ما أنا واصف
فللعقل أسماعٌ وُعاةٌ وأبصارُ
ويروي أحمد بن القاسم الزاهد: سمعت الحلاج في سوق بغداد يصيح: يا أهل الإسلام أغيثوني، فليس يتركني ونفسي فآنس بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه. ثم أنشأ يقول:
حويتُ بكلّي كلّ كلّك يا قدسي
تكاشفني حتى كأنّك في نفسي
أقلب قلبي في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه وأنت به أنسي
فما أنا في حبس الحياة ممنّع
عن الأنس فاقبضني إليك من الحبسِ
وعن مسعود بن الحارث الواسطي أنه قال: سمعتُ الحسين بن منصور الحلاج يقول لإبراهيم بن فاتك وأنا اسمع : يا إبراهيم! إن الله تعالى لا تحيط به القلوب ولا تدركه الأبصار ولا تمسكه الأماكن ولا تحويه الجهات ولا يتصور في الأوهام ولا يتخايل للفكر ولا يدخل تحت كيف ولا يُنعت بالشرح والوصف ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتنفس إلا هو معك، فانظر كيف تعيش. وهذا لسان العوام. وأما لسان الخواص فلا نطق له، والحق حق والعبد باطل وإذا اجتمع الحق والباطل فيضرب.
وقال ابن فاتك: قصدت الحلاج ليلة فرأيته يصلي فقمت خلفه، فلما سلم قال: اللهم أنت المأمول بكل خير والمسؤول عند كل مهم، المرجو منك قضاء كل حاجة والمطلوب من فضلك الواسع كل عفو ورحمة، وأنت تعلم ولا تُعلم، وترى ولا تُرى، وتُخبر عن كوامن أسرار ضمائر خلقك، وأنت على كل شيء قدير. وأنا بما وجدتُ من روائح نسيم حبك وعواطر قربك استحقر الراسيات وأستخف الأرضين والسماوات. وبحقك لو بعتَ مني الجنة بلمحة من وقتي أو بطرفة من أحر أنفاسي لما اشتريتها.. ولو عرضت علي النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك مني. فاعفُ عن الخلق ولا تعفُ عني، وارحمهم ولا ترحمني. فلا أخاصمك لنفسي، ولا أسأئلك بحقي، فافعل بي ما تريد. فلما فرغ قام إلى صلاة أخرى وقرأ الفاتحة وافتتح بسورة النور وبلغ إلى سورة النمل. فلما بلغ إلى قوله تعالى: «ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض»، صاح صيحة وقال: هذه صيحة الجاهل به. ومن وُد المحب الـمُحق ألا يعبد ما حُد»!.
تلك لمحات من سيرة هذا الصوفي الغريب الأطوار الذي انقسم الناس في الماضي بصدده، كما ينقسمون اليوم. فمنهم من ينظر إليه كـ«ولي» من الأولياء، ومنهم من يُلحقه بزمرة الكفار والمشعوذين.
ويعود للمستشرق الفرنسي ماسينيون فضل إحياء ذكراه في العصر الحديث وتحقيق سيرته. وفي سبيل ذلك قاسى ماسينيون ما قاسى من الأسفار والبحث في المصادر القديمة. وقد كتب عنه دراسات أخرى غير هذه الدراسة، كما حقق أشعاره. وإلى اليوم يرتبط اسم ماسينيون باسم الحلاج، فلا يُذكر أحدهما إلا ويُذكر الآخر. وإلى اليوم مازال كتاب ماسينيون: «آلام الحلاج» أوفى وأفضل مصدر عن الحلاج رغم مضي أكثر من سبعين عاماً على صدوره!.
