وفي نشيد غيمة تومئ في عذوبة
تحاور الأمطار
فتنجلي في همسها الأسرار
تجلس في ظلالها تلميذة
للتو غادرت ضجيج المدرسة
غناؤها في الصبح يحضن العصافير
وفي المساء صوتها
كموجة وسنى توسدت سريرها الأزرق
فيبدأ الحلم الصغير
يا وطني
هذا النشيد لك
كما قرأت أيضا رباعية من القصائد القصيرة هي “دعها تنطفئ، النجمة عادت، ينسوننا على الطريق، لمن نبتسم” ومن مجرد الوقوف مع العناوين يبدو صوت الاحتجاج النسوي واضحا، يتضح ذلك في ما بين “ينسوننا على الطريق . . يدعون أننا الأجمل من كل صديق”، تقول غابش:
“لمن نبتسم
ونجري بعيدا
إلى أن يداهمنا مطر
كالحلم
فيأخذنا الغيم نحو طفولة
أيامنا
فنفتش عن ريشة أو قلم
تصير قصيدة عشق
ورسما بلون الفراشات
لم ندر من ذا كتب
ومن ذا رسم
لذا نبتسم”
ولئن بدت صالحة غابش في قصائدها مشغولة بقضايا بنات جنسها وانكسار أحلامهن ومغادرة النجمة لنوافذهن، وتركهن مرميات على قارعة الطريق، فإن ذلك الانشغال لم يلون قصيدتها بسوداوية كما هي عادة كثير من الشاعرات المشغولات بهذا الجانب .
أما الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم فقد نوّع في قراءاته بين القصيدة التأملية والقصيدة المقاومة، وبدأ بقصيدة “أسميتكِ الأولى” وفيها يشاكل الشاعر بين المحبوبة والوطن اللذين يتبادلان الأدوار ليتوحدا في النهاية في شكل واحد هو الوطن وهو المحبوبة، ويبدو الشاعر موليا ظهره للماضي رافضا التمسك الجامد فيه، مشغولا بالمستقبل في توقيعه المتكرر على جملة “أسميتك الآتي” لتكون المرأة والوطن صورة وفعل إرادة في المستقبل، لكن الرفض والتولي عند الشاعر لا يأخذ شكل انقلاب أو ثورة مفاجئة، بل هو أشبه بالحفر الهادئ الذي ينتزع النبات الفاسد من جذوره وتتولى اللغة عنده، ذلك العمل عندما تتغير الكلمات من عبارة “أسميتك الأولى، وإن كنت الأخيرة في حساب الحب” إلى قوله “أسميت الذي بيني وبينك موطنا” ثم “أسميتك الآتي” عبر تصاعد ينفي لاحقه سابقه بهدوء وبلا ضجيج، ما يدل على تمرس الشاعر بالكلمة وقدرتها على صنع انزياحات إلى مدلولات جديدة .
لكن ذلك الهدوء المتصاعد المؤسس لبنية النص عند إبراهيم يستحيل إلى انفجار حين يكون أمام مأساة غزة، فيصرخ عاليا “لغزة قلبي” متخففا من هدوئه ومن لغته التأملية ليصوغ لغة الحزن والمأساة والألم والحكمة، لغة تتفجر بكل بما لا يستطيع الشاعر حمله من المعاناة، ويعود فيها إلى البيت الخليلي إلى بحر الطويل ليطيل شكواه، ويستنفر أمته لغزة المضامة:
نصيبي من الدنيا نصيبُ مُسافِرٍ
تخفّفَ من دنياهُ زاداً ومشربا
على عاتقي حِملُ الصعاليكِ كُلّهُ
ويلحقُني عزمي وما كُنتُ مُذنِبا
لغَزّةَ قلبي في الهوى ما تقلّبا
ومن دمها يختط للعِز مَسْربا
دَعاني مُحيّاها لِلَثمِ جبينِها
فعفّرْتُ وجهي في ثراها تأَدبا
تَوالى عليها النارُ من كُل وُجهةٍ
فما زادَها الإحْراقُ إلا تَذَهبا
هِيَ السّيفُ لمّا أدْمَنَ السّيفُ غِمدَهُ
هيَ الشّرْقُ لمّا اليَعرُبِي تَغرّبا
تُقاتِلُ بالجوعِ المُظفرِ جوعَها
ولا تَلعنُ الأسبابَ أو من تسبّبا
68.../dotedline.jpg