فاصل بين ربيعين - خيري منصور
فاصل بين ربيعين
خيري منصور
* دار الخليج
كالعادة، قبلنا وعلى والفور تلك المقارنة بين ربيع عام 1848 وهذا الربيع لمجرد أن كاتباً في إحدى الصحف الأوروبية قال ذلك، رغم أن أحداث ذلك العام كما سردها حذف منها الكثير، وفي مقدمة ما حذف صدور البيان الشيوعي لكارل ماركس في العام ذاته، وقد أطلق مصطلح الربيع أيضاً على أحداث براغ، عندما كتب كوستلر في تلك الأيام أن الدبابات السوفييتية دخلت إلى غرف النوم في تشيكوسلوفاكيا .
إن إعادة قراءة، وبمعنى أدق استقراء، أحداث عام 1848 في أوروبا تضعنا إزاء جملة من الاختلافات بين ما حدث هناك وما يجري هنا، وهذا بالطبع ليس تقليلاً بأية حال من حراك عربي تأجل أو أُجلّ عن موعده عقوداً عدة .
ففي القرن التاسع عشر وبالتحديد بدءاً من منتصفه كان مشروع النهضة العريبة يقاوم الإجهاض، وظهرت في تلك الفترة كتابات لم يفقدها قرن ونصف القرن صلاحيتها التاريخية، سواء ما كتبه الكواكبي في طبائع الاستبداد وأم القرى أو ما كتبه محمد عبده ورشيد رضا والأفغاني وأديب إسحق وآخرون، ولو قُيّض لتلك النهضة أن تستمر وتمضي قدماً لما كان المشهد القومي الآن على ما هو عليه . وما كتب من أطروحات أكاديمية وأبحاث عن تلك النهضة وأسباب النكوص والتراجع التي أدت إلى توقفها، لا يتيح لأحد منا أية إضافات باستثناء تلك الإضافة المحظورة، وهي العوامل المحلية والموضوعية للإجهاض، بحيث لم يكن خارجياً فقط إلا إذا احتكمنا إلى مشجب المؤامرة الذي سوس وسقط لفرط ما أبهظناه من حمولة المؤامرات!
ما نسيه ذلك الكاتب الذي قارن بين ربيع أوروبي عام 1848 وربيع عربي عام،1911 هو صدور رواية تنتمي إلى ما يسمى في أدبيات الانجليز والغربيين الديستوبيا أو المدينة الراذلة مقابل المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا، وهي رواية جورج أورويل التي حملت عنوان “1984” وفيها من التوقعات عن الاستبداد والشمولية والرقابة الانتهاكية، ما يكفي لأن يحول الرواية إلى كابوس سياسي . فالشخص المرموز له باسم “الأخ الأكبر” يتلصص على العباد في غرف النوم والحمامات وأحياناً يخترق جلودهم، وفي ديستوبيا كهذه يشي الابن بأبيه والزوجة بأبنائها، وتضيع الكوابح الأخلاقية والإنسانية كلها، بحيث يصبح كل شيء مُباحاً .
وبين عام 1848 الأوروبي بربيعه الأقل دفئاً وعام 1948 العربي قرن كامل، لكن عام 1948 الذي حمل تاريخياً اسم عام النكبة لا صلة له بأي ربيع، واقترن بالخريف أو ربما بفصل خامس خارج التقاويم كلها، كما أن عام 1948بهزائمه وجيوشه التي عادت من فلسطين منكسة الرايات ومرت عن مخيمات اللاجئين كان له بعد آخر، غير مرئي ومسكوت عنه سياسياً، وبسبب ما جرى في ذلك العام إضافة إلى أسباب موضوعية أخرى قامت ثورة يوليو ،1952 وقادها ضابط عائد للتوّ من حصار الفالوجا الفلسطينية، وشعر هو ومن معه بجرح عميق في صميم الكبرياء الوطني والعسكري بعد حكاية الأسلحة الفاسدة، ومضت متوالية العصيان بكل تجلياتها خلال الخمسينات والستينات باعتبارها جزءاً أساسياً من رد الفعل القومي على ذلك الانتهاك، حتى الثقافة العربية بدأت تطرق أبواب الحداثة بعد ذلك العام وأخذت تودع الرومانسية التي فصلتها عن جاذبية الواقع والتراب والدم .
إن للتاريخ تقاويم أخرى بخلاف الجغرافيا، فقد يلوح فيه الربيع في ذروة تساقط الأوراق، لكن قدرنا، عرباً، هو أن ما نعزفه من ألحان لا يكتمل . . وكأن خريفاً سرياً يتربص بكل ربيع .