سينما العراق.. شاشة الهواة تكسر حاجز الصمت
سينما العراق.. شاشة الهواة تكسر حاجز الصمت
* الدستور الأردنيـة
منذُ ان تحولت دورُ السينما في العراق إلى مخازنٍ تجارية، وأدارت المؤسسةُ الثقافيةُ الرسميةُ ظَهرها لصناعةِ الفنِ السابع، بدت فرصُ إنتاجِ أفلامٍ عراقيةٍ منشودة، شبهُ مستحيلة، إلى حدٍ بعيد.
السينمائيون في العراق يتوفرونَ على قناعةٍ كبيرةٍ بأنَ المناخَ السياسي المضطربَ ليسَ بمقدورهِ خلقَ بيئةٍ مناسبةٍ للتنميةِ الثقافيةِ، بما في ذلك الارتقاءُ بصناعةِ الفيلم العراقي.
هذه القناعة، التي تنطوي على قدرٍ كبيرٍ من اليأس، شَكلت هاجساً يومياً لعديدِ السينمائيين العراقيين، وهم يستشعرون خطرَ أن يتحولَ أبناءُ الفنِ السابع إلى عاطلين عن السينما بـ «فعلِ فاعل»، كما يحلو لبعضِهم أن يصفَ مستقبلِ صنعتهم.
لكن هذا الهاجس لم يكن سلبياً لدى المخرج والكاتبِ هادي المهدي الذي لعبَ دوراً رئيساً، طوال العامين الماضيين، في ظهورِ 30 فيلماً عراقياً للهواة.
في ظل الإحباط المخيمِ على فقِ السينما العراقية، جاءت فكرةُ المهدي لتُحركَ المياه الراكدةَ، فالكاتبُ والمخرجُ العراقي الذي عَرفهُ الجمهورُ العربي في دمشق وبيروت وتونس والقاهرة من خلال عروضٍ سينمائيةٍ ومسرحيةٍ عديدة، خطط لتتحول 30 قصة قصيرة لكتابٍ عراقيين معروفين إلى سيناريوهات، ولاحقا إلى أفلامٍ عراقيةٍ أودع المهدي مهمة صناعتها إلى الهواة.
يقول المهدي لـ «الدستور الثقافي»: في بيئةٍ معاديةٍ للثقافةٍ، كما هو الحالُ في العراق، كانت مهمةُ صناعةِ افلامٍ عراقيةٍ ضربا من ضروب الخيال، في هذه الاجواء نحنُ بحاجةٍ الى افكارٍ جديدة توقفُ زحفَ التخلفِ الى المشهدِ الثقافي الساكن.
بعد مرحلةٍ طويلةٍ من الكتابة والدراسة، تَحولت القصصُ القصيرةُ الى سيناريوهاتٍ، وتوزعَ بها السينمائيون الهواةُ على المحافظات العراقية لتصويرِ افلامِهم، لكنَ الظروفَ الصعبةَ حالت دونَ ان تسير الامورُ بسلاسة.
المهدي يتذكرُ تلكَ الايام الشاقة :»الظرفُ الامني وأيامُ حظرِ التجوال، وبعضُ الاضطراباتِ السياسيةِ المعروفة صعّبت كثيراً من مهمةِ انجازِ المشروع، خصوصا ما تطّلبهُ من متابعةِ ما يجري في اماكنِ التصوير، ولنا ان نتخيلَ كثيراً من تفاصيلِ الانجازِ التي تمت عبرَ الهاتف».
وصوِرت الافلامُ بكاميراتٍ رقميةٍ في أنحاءِ العراق من شماله الى جنوبه، وبلغاتٍ مختلفة: العربية، الكردية والسريانية. الامر الذي شجع المهدي على التندر بالمشروع على انه يظهر التنوع الثقافي في العراق.
مشروعُ الـ 30 فيلماً حظيَّ بدعمٍ وتمويلٍ من فضائيةِ السومرية، اخرجهُ للتلفزيون ُ خالد زهرواي تحتَ اسم (سينميون) وهو اشتقاق عن (سينما) و(سومرية).
وبدأ العرضُ من شهرِ أيار الماضي وانتهى بحلقةِ الجوائز الاسبوعَ الماضي حينَ فرزت لجنةُ التحكيم 6 افلامٍ فائزة.
ولعب زهرواي دوراً كبيراً في تهيئةِ المشروعِ للعرض التلفزيوني، حين صُممَ لهُ ستوديو خاص تجسد فيه الفضاء بطريقة لافتة وذكية وجاءت متسقة مع فكرة برنامج غير مسبوق في المرئيات العراقية.
واتيح للمشاهد العراقي والعربي معاينة البرنامج كما لو انه يجلس في صالة عرض عراقية قديمة.
(سينميون) هو الاولُ من نوعهِ، وعدهُ مختصون ومهتمون بشأنِ السينما في العراق فريداً وغير مسبوق وانه محاولة جادة لإعادة الروح الى الفن السابع.
قبل ذلك، توقف المخرج هادي المهدي كثيرا عند الظروف القاسية التي رافقت صناعة الافلام المشاركة، وخرج بفطرة ان يتم عرض الـ (making off) قبل عرض الفيلم، وبدا في النهاية ان المشروع انتج 60 فيلما.
هذه الفكرة ساعدت لجنة التحكيم على مراقبة الافلام بشكل اكثر قربا، ولفتت الى اهمية مراعاة تلك الظروف التي خاض فيها الهواة صناعة افلامهم.
يشار الى ان لجنة التحكيم ضمت المخرج المخضرم هادي الرواي والناقد علاء المفرجي والاعلامي انور الحمداني.
وشهدت الحلقات التي عرضتها الفضائية ُالسومريةُ بدءا من ايار الماضي حواراتٍ ساخنةٍ بين الحُكام والصناعِ الهواة، وصلت الى درجة المشاجرة والتشاحن حول تقنيات ونصوص وطرق اخراج تلك الافلام، الامر الذي يراه المهدي فرصة نادرة على صعيد تهيئة دروس لصناع السينما الشباب في المنطقة العربية.
ويؤكد المهدي انه رغم فرز 6 افلام فائزة في المسابقة، الا ان السينما العراقية ربحت 30 كاتبا و30 مخرجا وما يزيد عن 1000 فني وتقني وممثل شاب عملوا بجد لصناعة شاشة عراقية جديدة ومغايرة.
جائزةُ افضل فيلمٍ أول جاءت مناصفة بين فيلم فريم للؤي فاضل وفيلم c . v لزيدون هاشم. فيما كانت جائزة افضل فيلم ثاني مناصفة بين فيلم عطر لأسعد عبد المجيد وفيلم النشور لملاك عبد وفيلم قلب المدينة لمهند حيال. اما فوبيا لسجى باسم وقناديل القصب لمحمد محسن فقد تقاسما جائزة افضل فيلم ثالث.
واعلن المهدي ان الموسمَ الاول من (سينميون) انتهى بإنجاز ِالافلام الثلاثين والكشفِ عن الفائزين منها، وانهُ يستعد مع زملائهِ لإطلاقِ الموسم الثاني والمخصص للفيلم الكوميدي، لكن هذه المرة بشروطٍ متقدمةٍ تصلُ الى الاحتراف.
مع تجربة (سينميون) التي امتدحها العديد من المختصين، يطرح المهدي سؤالهُ امامَ الرأي العام: هل يكفي هذا المشروع لاستفزاز المؤسسة الرسمية لتلتفت الى فن سابع غدرته السياسة وحاصرته تجاذباتها؟