محمود درويش - عبدالله أبو بكر
محمود درويش
عبدالله أبو بكر
* دار الخليج
من تحمل الأخرى . . القضية أم القصيدة؟ لا بد من هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بشاعر تقمص الوطن في قصيدته الأولى، ليجعل منه حقل سنابل علياء، يزرعه بالكلام ليحصد المعنى . “خضراء أرض قصيدتي خضراء عاليةٌ” .
من سجل أنا عربي، إلى شتاء ريتا، حتى أسوار القصيدة التي لم تنته، كانت مئات العناوين التي شكلت فسيفساء شعرية تعلقت على جدار الخلود الذي ظل وحده الحي في ساحة القتلى .
“هزمتك يا موت الفنون جميعها/هزمتك وانتصرت/وأفلت من كمائنك الخلودُ” .
محمود درويش، الشاعر الذي مات لتحيا القصيدة، وأصبح يمكننا أن نقول: كذبَ الموت . . ولو صدقت الجنازة .
“أنا حبة القمح التي ماتت لكي تخضر ثانية/وفي موتي حياة ما” .
كتب القصيدة محارباً، فمضت تصهل في كل الميادين . هو من قال: القصيدة الرديئة تخدم الاحتلال! وهو من قال أيضاً “كل شعرٍ جميل مقاومة” .
ترى، هل للتراب أن يكون لحافا فوق من أسقاه بماء الشعر فسواه شجراً فارعاً؟ أليس للموت أن يعود منهزما في نزاله مع من صار يوماً ما يريد .
“سأصير يوماً ما أريدُ/سأصيرة يوماً شاعراً والماء رهن بصيرتي” .
أليس للموت أن يسقط في حفرة حفرها لنفسه حينما كان أقل من أن يخطف قصيدة زخرفتها اللغة، وظللتها العبارة المنزوعة من صوت المنفى المكبل بحلم العودة . .؟ أليس له أن يجزع عندما لا يخشاه الآخر، فيتقدم ليكمل مراسيم جنازته بنفسه، ويعلن أن “متران من هذا التراب سيكفيان” .
محمود درويش شاعر طوى بكفيه الجغرافيا، ليعدو أبعد من حدود الوطن، فلم يرد له أن يكون مساحة ترابية ممتدة من هنا حتى هناك، أو قفصاً كبيراً للقصيدة، بل أراده فكرة، لا يمكن للرصاصة أن تسيل دمها، لأنها الحقيقة في عين الفلسطيني، والسراب في عين سواه .
“أيها المارون بين الكلمات العابرة كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا” .
درويش . . لم تكن جنازتك أقل من قيامة، ولم يكن موتك سوى حبل مشنقة يلتف حول عنق القصيدة .