محمد غني حكمت . . سومري بروح معاصرة
محمد غني حكمت . . سومري بروح معاصرة
نحت طيوراً وحيوانات من طين دجلة وعمره 4 سنوات
61.../23/174825.jpg
أمضى شيخ النحاتين العراقيين الراحل محمد غني حكمت عمره في الصراع مع الحديد والفولاذ والبرونز والنحاس والخشب، إذ انتصر على هذه المعادن وطوعها لإرادته وأخرج منها تحفاً رائعة ستبقى شامخة، سواء في العراق أو بعض البلدان العربية وحتى في أوروبا .
ولد محمد غني حكمت في الكاظمية في بغداد عام ،1929 درس في معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج فيه عام ،1952 ثم أكمل بعد ذلك دراسته في أكاديمية روما للفنون الجميلة وتخرج فيها في عام 1958 وأستلهم موروثات الحضارة الرافدينية “السومرية”، “البابلية”، “الأكدية” ووظفها خير توظيف في أعماله العديدة التي ما زالت شامخة في عاصمة السلام .
إن أعمال محمد غني حكمت تمثل رمزاً كبيراً للتاريخ العراقي . حيث يمثل هذا المبدع مدرسةً نحتية قائمة بذاتها، أسهم منذ خمسينات القرن الماضي في إنضاج الكثير من الرؤى الفنية والتشكيلية في الفن العراقي وتحديداً في فن النحت، واشتبكت تجربته مع تجربة النحات العراقي جواد سليم، إذ كان حكمت من الفنانين الذين أسهموا في إكمال نصب الحرية لجواد سليم الذي ما زال شامخاً في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد .
استطاع حكمت أن يشق له طريقاً خاصاً تمثل في اتجاهات مختلفة استفاد فيها من الموروث العراقي القديم، والذي تمثل في بعض الملامح الخاصة بالرسم التي نقلها بطريقة مبتكرة إلى المنحوتة الحديثة، لذلك يمكن القول بأنه سومري بروح معاصرة، كما استطاع أن يستلهم الكثير من الأشكال الهندسية والمعمارية البغدادية العربية والإسلامية وتحديداً في تصميم الأبواب والأطر والزخارف الهندسية والمعمارية التي قدمها خلال سنوات حياته . فضلاً عن أن بعض النصب المهمة له تزاوج ما بين الموروث والحداثة وهذا الكلام ينطبق على نصب الشاعر أبو نؤاس وشهريار وشهرزاد وعلي بابا والأربعين حرامي .
أثرى حكمت الموروث النحتي في العراق واستكمل مسيرة عريقة في تاريخ الفن العراقي تبدأ منذ سومر حتى وقتنا الحاضر، حيث تمكن حكمت من تقديم رؤية فنية وجمالية وحياتية مميزة .
قام حكمت قبل ثلاث سنوات تقريباً بنحت تمثال كبير للشاعر العربي أبو الطيب المتنبي على ضفاف نهر دجلة بالقرب من شارع المتنبي، قال عنه: إن هذا التمثال يمثل خلاصة أفكاري في عالم النحت وأنا سعيد جداً بأن يشمخ هذا النصب على ضفاف نهر دجلة الخالد الذي كان سبباً رئيسياً في أن أصبح نحاتاً . لأنني أخرجت طيناً من ضفافه ولم يكن عمري يتجاوز الأربع سنوات واستخدمته في نحت طيور وحيوانات متعددة، استهوتني الفكرة بعد ذلك وبدأت أقوم بنحت تماثيل لبعض الأشخاص من عائلتي، حتى أن والدي شجعني وساعدني في توفير ما أحتاجه في هذا المجال .
بعد أن دخل العراق في محنة الاحتلال منذ عام 2003 وتعرضت الحياة العراقية إلى التخريب قرر حكمت أن يمنع هذا الخراب، الذي حصل في البلد بسبب الهجمة الظلامية الكبيرة التي تعرض لها وادي الرافدين بدءاً بكارثة هدم وسرقة المتحف الوطني ومن ثم حملة اجتثاث النصب والتماثيل، حيث أسس جماعة “أنقاض الفنية” مع مجموعة من النحاتين وأعادت هذه المجموعة ترميم الأعمال المهمة التي تعرضت للتخريب وأعادتها إلى المتحف من دون مقابل .
وإثر تردي الوضع الأمني في البلد واستشراء ظاهرة الاغتيالات قرر حكمت مغادرة بغداد وترك الأستوديو الخاص به الذي كان يقوم بنحت أعماله فيه والتوجه إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث استأجر أستوديو جديداً هناك ليمارس فيه أعماله .
وقال النحات نداء كاظم، أن تجربة حكمت في مجال الفن التشكيلي عموماً والنحت خصوصاً تعد تجربة رائعة وستخلد في التاريخ، إذ ستؤثر تجربة هذا “الفنان السومري” في الأجيال التي عاصرته وستبقى تجربته مؤثرة أيضاً في الأجيال اللاحقة التي ستجد في هذه التجربة الغنية ملاذاً كبيراً في معرفة أسرار النحت . علماً أن الفقيد قام بتدريس الكثير من الطلبة في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، حيث استفاد طلبته من تجربته الثرية .
وقال الناقد فاضل ثامر، الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين: أن تجربة حكمت باتت تمثل مدرسة نحتية في العراق وخارجه، لأن هذا الرجل كان عاشقاً وملهماً لمهنته ولهوايته، وهذا العشق جعله يخلص لها كثيراً ويحرص على تطويرها من دون أن ينسى الإرث العراقي العظيم المتمثل في الحضارات البابلية والسومرية والأكدية، لذلك فإن أعماله تجاوزت الحدود العراقية ووصلت إلى بعض البلدان العربية واستقرت في أوروبا ليشكل سابقة فريدة عندما نحت عدة أبواب لأحد الكنائس المهمة في روما .
أنجز النحات محمد غني حكمت العديد من الأعمال النحتية والنصب الكبيرة التي ستبقى تخلده وترمز إليه ومن أبرزها: تمثال أبي نواس “الشاعر العربي الكبير” الذي يقع في شارع أبو نواس على ضفاف نهر دجلة في بغداد، وتمثال علي بابا والأربعين حرامي الذي يعرف عند العراقيين بساحة كهرمانة في منطقة الكرادة داخل بغداد، ولم يفارق محمد غني حكمت نهر دجلة إذ أنجز على ضفافه وبالقرب من بناية القشلة في شارع المتنبي تمثالاً شامخاً للشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، قام بنحت جدارية مدينة الطب في بغداد، نصب السندباد البحري في مدخل فندق الرشيد في بغداد .
لم تقتصر إنجازات الراحل محمد غني حكمت على “العراق” إنما امتدت لتصل إلى البلدان العربية الأخرى ومنظمات دولية وكنائس في أوروبا حيث أنجز في ثمانينات القرن الماضي إحدى بوابات منظمة اليونيسيف العالمية في باريس، وثلاث بوابات خشبية لكنيسة “تيستا دي ليبرا” في العاصمة الإيطالية روما، وجدارية الثورة العربية الكبرى في عمّان، وخمسة أبواب في مملكة البحرين لمسجد قديم، ومجموعة من الأنواط والأوسمة والشعارات الرسمية .