صرخة في سوق النحاسين * خيري منصور
صرخة في سوق النحاسين
خيري منصور
* الدستور الأردنيـة
بعد أحد عشر شهراً من بواكير الحراك العربي الذي حمل شعلته البوعزيزي يجب ان نغير ولو قليلا من ايقاع تحليلاتنا فالصلصال الساخن الذي يتردد النحات في غرز اصابعه فيه منتظرا برودته بعض الشيء، ما يزال يغلي في عدة مواقع من وطننا العربي، فثمة من قضى وثمة من ينتظر وبينهما شهود منقسمون بين الزور والحق. وليس كل من بحّ صوته من الصراخ وهجاء ما سقط بريء من الفساد والاستبداد، وبقدر ما هناك أناس ناضلوا بين دمعهم وحريتهم لصالح الحرية، هناك آخرون كانوا قفازات وملاقط جاهزة للايجار ونكلوا بمثقفين وناشطين، وكانوا كالضباع يتلمظون على ما يتبقى من عظم الفريسة او جلدها الذي عفت عنه الأسود والنمور، هل يكفي احد عشر شهرا للاستئذان بالكلام الاقل صخباً ولا نقول الهادىء؟ أم ان هذا الضجيج مطلوب كي يختلط فيه هديل الحمام بنعيق الغراب؟
ان اللدغ يتكرر على نحو مفزع، ونحن لدغنا آلاف المرات من الجحور ذاتها رغم ادعائنا بالايمان، فمن كانوا الاعلى صوتا والاكثر تكسبا في ازمنة الاستبداد هم الاعلى صوتا الآن، واعرف بعضهم بالاسم والجسم معا، وكأن الناس اصيبوا بزهايمر سياسي تفشى كالوباء.
لكن هذه الثقافة الملفقة والهجينة والتي جمعت في سلة واحدة من كل حقل بصلة أو حنظلة يتيح لاي فرد ان يستدير مئة وثمانين درجة ويقلب ظهر المجن لولي نعمته ومن كان يعلفه بنفايات موائده ومؤسساته.
فهل سيحول الصخب وسخونة الصلصال دون التذكير بأن هناك فارقاً جذرياً بين اسقاط الانظمة وتفكيك الدول؟
وهل سنكرر الحماقة الروسية الشهيرة ونخلع سكك الحديد لأن ستالين هو من بناها؟
في الثورات على اختلاف المسميات بين حراك وانقلاب وانتفاضة ثمة فرصة كبرى لاندلاع اللص والبلطجي والشبيح وسائر السلالة من الجحور، وهؤلاء يلقون اكثر من شعرة خنزير واحدة في حساء الثوار النظيف. ولا بد ان يمضي بعض الوقت كي يتضح الشحم من الورم حسب تعبير المتنبي، فثقوف الغربال واسعة جداً الآن، وقد يسقط منها القمع والزؤان معاً في اناء واحد.. نعرف ان فائض المكبوتات المزمنة والمتقيحة في العالم السفلي للذات المقهورة يندلع دفعة واحدة، وبالتالي يكون لكل قيس ليلاه في هذا العرس المأتمي أو المأتم الزفافي.
خاطرة/بقية
فيا رجال كل عصور ونساء كل شهريارات الفساد والمال الحرام، نعرفكم فأنتم مجربون في الصيف والشتاء والخريف لهذا دعوا الربيع خارج اجنداتكم وتقاويكم فأنتم دعوا الربيع خارج اجنداتكم وتقاويكم، فأنتم من ألقيتم أبهى الابناء واصغرهم في الآبار التي لا قيعان لها، وانتم الذين مشيتم وبكيتم في جنازات ضحاياكم.. كفى استخفافاً بنا وبذاكرتنا وأرشيفنا، فلا يعقل ان يعيش الله والقيصر في قلب واحد، ولا يمكن للحرباء التي نفخت في النار كما جاء في الحكاية السليمانية الخالدة ان تتحول الى ضفدع ينقل قطرات الماء لاطفاء الحريق.
وليس معنى هذا أننا نقسم العالم الى اسود وابيض فقط، فهؤلاء هم الالوان كلها، الاحمر الدموي والاخضر القيحي والازرق المسمم لكنهم محرومون من الابيض حتى القيامة!!