شكراً سلطان - شيخة الجابري
شكراً سلطان
شيخة الجابري
* دار الخليج
يأتي الكرم من الكرام، والخير من الخيّرين، والاهتمام من المهتمين، وينبع الأمل من ينابيعه الأصيلة، ويتدفق من كفوف الذين اعتادوا أن يكونوا رسل سلام ومحبة، وأصحاب مبادرات إنسانية نبيلة، قد لا يستطيعها سواهم، وقد يستطعيها، لكنه يتأخر في الهبّة لأمر ما، فيكون الذي سبق قد نال المكانة الأسمى، والحضور البهي .
هكذا فعلها المنقذ، الرجل الذي يعرف مسؤوليات المثقف تجاه نفسه ومجتمعه، ومن ثم وطنه الكبير، ذلك بأن المسؤولية الثقافية قيمة إنسانية مهمة يمكن أن تنضوي تحت مفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي تسعى مجتمعات كثيرة لتحقيقه وتجاهد، ولكن أن تمتد هذه المسؤولية لتصل للآخر سواء كان شقيقاً أو صديقاً فهذا يعني الاحتواء الأشمل والأعم الذي ينساب كغيث بارد لا يعقبه سوى اخضرار الأرض، وامتلاء القلوب بالفرح .
وهكذا فعلها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، حفظه الله ورعاه وسلّمه ومتّعه بالصحة والعافية، حين نثر رياحين السعادة، وورود النور ليس في القلوب المصرية الشقيقة وحدها، وإنما في قلوب أبناء المعمورة كلّها الذين تقطعت قلوبهم وتهاطلت دموعهم إثر عملية حرق المجمع العلمي بالقاهرة في أعمال الشغب الأخيرة، لقد حرقوا الذاكرة المصرية، هكذا صرخ الذين يعرفون ما معنى حضارة مصر، وما معنى أن يُحرق التاريخ في لحظة غضب، أو تعمد أو حاجة للرفض لا أكثر .
إن المبادرة الإنسانية الكبيرة التي أعلنها سموه تعبر تعبيراً واضحاً عن عمق الإحساس بالمسؤولية تجاه مصر، كما تنقل، وبشكل عفوي وإنساني جداً، الاعتراف بالجميل الذي أسدته مصر ومعلموها ليس للشارقة وحدها، ولكن لكثير من العواصم العربية التي انتشر فيها المعلمون والمعلمات المصريون ينثرون العلم، وينقلون المعرفة في وقت كانت فيه هذه المنطقة تحاول نفض مظاهر التخلف والجهل عنها، في محاولة حثيثة لنشر التعليم في أرجائها كافة .
إن في هذه المبادرة الشارقية العظيمة درساً إنسانياً شاسع الأثر، يترك بصمة وقيمة أخلاقية عالية في نفوس الجيل الجديد، وتعلمهم قيمة الوفاء، والتعاون والتعاضد والرحمة . إننا اليوم حين نقرأ عن بدء تنفيذ الأوامر السامية لصاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد وتجهيز النسخ الموجودة في مكتبته العامرة من الأثر العلمي والأدبي الذي تم تدميره في المجمع العلمي بالقاهرة، نشعر بالفخر الشديد، وبالفرحة الغامرة بأن في وطننا الغالي رجالاً بمبادرتهم يُنقذ تاريخ، وتُستعاد كرامة العلم، ومريديه، ومحبيه، ومبدعيه .
إن هذه المبادرة تعيد الروح للكتاب الذي حُرق بيدٍ ما اغتسلت بماء النيل، ولا ارتوت من خيرات مصر العظيمة، نحن نؤمن بأن الذي فعلها لا يمكن أن يكون مصرياً حراً يعرف ما معنى تاريخ مصر، ووصفها وقيمتها بين الشعوب قاطبة .
إن مصر لا تهون، وشعبها بإذن الله وبحكمة العقلاء لن يهون، وستعود مصر كما أحببناها وعرفناها أماً للدنيا، وشقيقة كبرى، وحالة حب خاصة، وخالصة جداً، فشكراً يا صاحب السمو لا عدمناك .