شهداء الحرية.. وضحايا القمع والتسلط
شهداء الحرية.. وضحايا القمع والتسلط
اقلام وريشات تنبت زهورا
* القدس العربي
تعد لوحة ' الحرية تقود الشعوب ' للفنان الفرنسي اوجين ديلاكروا' 1798 1863 ' ايقونة الرومانسية ورمزا للحرية في كل زمان و مكان..وهي تمثل قمة ابداعاته كفنان رأى في التصوير حريته ممثلة في تلك اللوحة وقد صورها من وحي ثورة يوليو 1830 ضد تشارلز العاشر ملك فرنسا ' 1824 1830' والحكم المطلق في فرنسا.
والتكوين العام للوحة تتصدره المرأة حاملة الراية التي التف حولها الفرنسيون ..و تبدو عارية الصدر رمزا لمعنى الحرية وتجاوز الاطر التي تعوقها كما تبدو حركتها هنا مسكونة بالقوة والاقدام على ارضية تلك الجثث التي تمثل رموز الفساد ..وهي بتأثيرها على الجماهير تمثل الجمهورية الفرنسية الثائرة الحالمة بالحرية.وما اشبهها بجان دارك' 1412- 1431 ' والتي كانت رمزا للتضحية والفداء وكأنها قد انبعثت من جديد وعادت من الرماد .
واللوحة متوهجة بالاضواء والظلال ..والاضواء هنا تشع من خلفيتها ..وهي تؤكد في النهاية ان التصوير هو الحياة بتعبير ديلاكروا.
ولا شك ان الحرية تمثل حلم الانسان على الارض فهي اثمن ما في الوجود ولذا كانت في اوقات الظلم والتسلط صعبة المنال ..حرية الوطن وان تسود الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحب والسلام كل ارجائه ومن هنا قال الشاعر التركي ناظم حكمت : لو وضعوني في الجنة لقلت اه يا وطني ..وهكذا يقول محمود درويش : يما ..واويلي ..يما ..واويليا ..ضرب الخناجر ولا حكم الندل فيا .
الارض ام انت عندي ام انتما توأمان .
مد ..مد للشمس زندي ؟ الارض ام مقلتان
وهناك قصيدة امير الشعراء احمد شوقي : 'نكبة دمشق ' وكأن التاريخ يعيد ما نحن فيه الان :
بني سورية اطرحوا الاماني
والقوا عنكم الاحلام القوا
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
القاها عام 1926 لمأساة الشعب السوري واغاثة منكوبي العدوان الفرنسي على دمشق عندما قصفت بالقنابل ..وفارق كبير بين عدوان وعدوان ..بين عدوان المحتل من خارج الوطن وبين الجلادين والطغاة من داخل الوطن .
ومن هنا تعد الريشات والاقلام من الاسلحة التي تتصدى وتواجه شتى اشكال الحكم القمعية ..من اليمين واليسار وما بينهما من نظم على مر التاريخ وعلى وجه الخصوص القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي ..ومن هنا ايضا كثر شهداء الحرية وضحايا الغشم والجهالة، وربما كانت الفعلة الشنعاء التي قام بها الدكتاتور التشيلي اوجستو بينوشيه والمسؤول عن مقتل الرئيس سلفادور الليندي بعد اقتحام القصر الرئاسي والشاعر بابلو نيرودا ..وقت ان كان رئيس القبضة الحديدية للحكومة التشيلية من عام 1973 وحتى عام 1990 ..فقد جمع مثقفي تشيلي بالاستاد وقام باعدامهم ومن بينهم الموسيقار كارا.
ولعل ما حدث لرسام الكاريكاتير السوري علي فرزات من اعتداء وحشي من السلطة القمعية السورية في الخامسة صباحا من شهور قليلة وهو في طريق عودته من مكتبه الى منزله اراد تكسير اصابعه بمعنى اخر اراد تحطيم ريشته حتى تكف عن الغناء من اجل حياة كريمة ..يجعلنا نسترجع بعض الصور الدامية المحزنة لشهداء الحرية وضحايا القمع والتسلط.
لوركا
لوركا هذا الشاعر الاسباني الرقيق والمولود عام 1898 والذي كان يحمل قلب عصفور غرير ..يتدفق بشحنات من الفتنة والعذوبة تسري سريان الكهرباء ويلف مستمعيه بجو اخاذ من السحر والشجن فيأسرهم حين يتحدث او ينشد الشعر او يرتجل مشهدا مسرحيا ..وحين يغني او يعزف على البيانو .
يقول : اكثر الافراح حزنا ان تكون شاعرا
كل الاحزان الاخرى لا قيمة لها حتى الموت
ويقول :
رقد الشجر باكيا من المطر ..اه من ضوء القمر ..راقدا فوق اغصان الشجر..
لقد ضبط لوركا وهو يتغنى بأناشيد الحرية فرأت اجهزة الاستخبارات ان اشعارة تمثل خطرا جسيما داهما على النظام ولابد من معاقبته فتم اغتياله رميا بالرصاص عام 1936في الايام الاولى من الحرب الاهلية الاسبانية في زمن الجنرال فرانكو ..لكن ظلت قصائده ترددها افواه الاسبان الى ان نالوا حريتهم ..وللاسف لم يعثر على جسده ..كما تنبأ قبل موته: 'وعرفت انني قتلت وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس فتحوا البراميل والخزائن ..سرقوا ثلاث جثث ونزعوا اسنانها الذهبية ولكنهم لم يعثروا علي..الم يعثروا علي ؟..نعم ..لم يعثروا علي'.
وقال 'وداعا ':
'اذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة
الطفل يأكل البرتقال 'من شرفتي اراه'
الفلاح يحصد القمح 'من شرفتي اسمعه '
اذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة.
البير كامي
وهاهو البير كامي ' 1913 1960 ' فيلسوف الوجودية مع سارتر وصاحب رواية 'الغريب' ومسرحية 'كاليغولا'..والذي يعد ثاني اصغر كاتب يحصل على جائزة نوبل بعد الكاتب الانكليزي والشاعر كبلنغ مؤلف 'كتاب الادغال' و'الرجل الذي اصبح ملكا'..وقد حصل كامي عليها عام 1957وعمره 43 سنة ..وكان قد توفي في حادث سيارة بعد ثلاث سنوات فقط من استلامه الجائزة .
ومنذ فترة قصيرة كشفت صحيفة 'كورييرا دي لاسيرا' الايطالية عن احتمال تورط جواسيس سوفييت في حادث تحطم السيارة التي كان يستقلها كامي واصطدمت باحدى الاشجار واودت بحياته ..وقد حدث هذا كرد فعل على مقال نشره كامي في احدى المجلات الفرنسية ينتقد فيه الروس من جراء الاحداث التي ارسلت فيها موسكو قوات سوفيتية لقمع الانتفاضة المجرية عام 1956 والتي عرفت باسم مجازر 'شيبيلوف' نسبة الى وزير الخارجية الروسي ديمتري شبيلوف ...كما غضب السوفيت مرة اخرى من كامي بعد ان اعلن على الملأ تضامنه مع الكاتب الروسي بوريس باسترناك مؤلف رواية 'دكتور زيفاغو' والذي منع ستالين اعماله.
وسواء اكان هذا الكشف حقيقة ام محض افتراء الاانه يؤكد خطورة الفكر الحر على السلطات القمعية .
والبير كامي يقول: 'لسنا ننشد عالما لا يقتل فيه احد..بل عالم لايمكن فيه تبرير القتل' و'من هو الرجل الثوري ..رجل يقول لا' و'رجل بلا اخلاق هو رجل تم اطلاقه على هذا العالم'.
بابلو نيرودا
'حجارة السماء ..بحثت عن قطرة ماء
عسل ..دم ..تحول كل شيء الى حجارة
دمعا او مطرا ..الماء يجري دائما في الحجارة : دما اوعسلا اخذا طريقهما..الى عميق النهر..يقطع ضوؤه السائل النبيذ ..يسقط في الكاس ..ناره الهادئة تشتعل في كأس الارض'.
هكذا يقول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا ' 1904 1973' والحائز على جائزة نوبل عام 1971..وعندما قتل الانقلابيون بقيادة الدكتاتور بينوشيه الرئيس سلفادور الليندي ..جاء جنود بينوشيه الى بيت نيرودا وهنا سألهم الشاعر عما يريدون فقالوا له جئنا نبحث عن السلاح في بيتك ..فرد قائلا ان الشعر هو سلاحي الوحيد وبعدها بايام توفي عام 1973تحديدا في 23 سبتمبر متأثرا بمرضه وباحباطه من الانقلابيين وكانت اخر كلمات قالها في كتابه 'اعترف اني قد عشت' والذي يروي سيرته الذاتية هي: 'لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرة اخرى'.
في قصيدته 'بابلو نيرودا' يقول الشاعر احمد فؤاد نجم :
شيلي البارود ..حطي الوعود ..والتعديلات ..في المهملات ..سفحوا الورود ..من ع الخدود ..والخضرة من قلب البنات ..فين الامان ..جنب الغيلان ..ياملفقين عصر التبات ..لاالجرح بات ولا اتنسى ..ولا التاريخ والذكريات ..سيدنا الحسين ..اسبارتاكوس ..الليندي ..لوركا ..عب رحيم ..فلاح بلدنا اللي انشوى ..قبل القيامة في جحيم ..سينا الطعينة المزمنة ..ارنستو جيفارا العظيم ..خميس وبكري والشفيع ..ادهم ومواله القديم ..قطب الرجال اللي ابتلى لما تلى الذكر الحكيم ..عقد العقيق اللي انبدر ..من عهد سقراط الحكيم ..زاد النهاردة وانتظم ..بالدرة والفص اليتيم ..نيرودا زمار الصباح ..نيرودا مزمار النسيم'.
ناجي العلي
ناجي سليم العلي رسام كاريكاتيرفلسطيني ' 1937- 1987 '..كان سلاحه الريشة ..اغتاله شخص مجهول في لندن..بعد ان ترك اربعين الف رسم كاريكاتوري بمثابة اربعين الف طلقة تدين الظلم والتسلط .
يقول الفنان بهجت عثمان: 'لم اجد تعبيرا ينطبق على وصف ناجي العلي سوى ان ناجي العلي هو ناجي العلي ..فهو الوحيد دائما رغم كثرة الاشقاء والمحبين من حوله ..وهو المتفرد بين رفاق سلاحه ..الحزين الى الابد رغم روح السخرية عنده ..والمحب العاشق الولهان لفقراء امته ..ولكن بغضب .
كلما رأيت صفحة بيضاء وانا رفيق سلاحه ..الا وتمنيت لو ان هذه الصفحة مرصعة بأحد رسومه .
ظهر ناجي كرسام للكاريكاتير في وقت كانت مدرسة الكاريكاتير المصري هي الذائعة الصيت وكان لها اثر واضح في اعمال كثير من المبدعين العرب ولكن ناجي حاول الا يتأثر بها وقرر ان ينفرد عنها ..ولانه لم يتح له ان يدرس الفن دراسة اكاديمية تساعده على ان يجد اسلوبه الخاص فقد صنع من عدم الاسلوب اسلوبا جديدا يخصه وحده ..وهكذا ظل ناجي متفردا في فنه وحتى في رحيله عنا ايضا ظل فريدا ..فقد اصبح اول شهيد للكلمة المرسومة في العالم اجمع'.
علي فرزات
واخيرا وليس اخرا ..رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات والمولود بحماة عام 1951 .. واحد ضحايا التسلط والسلطة القمعية ..تعرض اثناء عودته الى بيته للضرب المبرح من ملثمين ينتمون للنظام السوري بعد ان ارهبتهم ريشته الفصيحة ..وتم التركيز على وجهه واصابعة حتى لا يعود للرسم من جديد بعد ان عرف برسومه الجريئة التي تنتقد النظام السوري .
وكان فرزات قد حصل على ترخيص باصدار جريدة 'الدومري' الساخرة اللاذعة عام 2001 وكان ذلك اول ترخيص يعطى لصحيفة في سورية منذ عام 1963 ..وقد شهدت رواجا كبيرا واقبالا من القراء ووصل توزيعها الى 60 الف نسخة الا انه تم سحب ترخيصها عام 2003 لخطورتها على السلطات .
علي فرزات المسلحون قالوا له اثناء الاعتداء عليه: 'لكي تتعلم الا ترسم عن الحرية'.
انتقل فرزات من المحلية الى العالمية في رسومه ..وساعده في ذلك تجسيده للقضايا الانسانية من خلال الخطوط دون ان تحمل تعليقا مكتوبا وقد نقلت عنه معظم الصحف العالمية مثل :البرافدا ـ الميدل ايست ـ جون افريك ـ رودي الغارديان وغيرها عدا الصحف العربية.
وكان حلم حياته ان يصبح طيارا ولكن الظروف حالت دون ذلك وهو يقول: 'مازلت امارس هوايتي كطيار لكن لا احلق الا في اجواء الخيال'.
قال د.علاء الاسواني يخاطبه بعد الحادث :
يا علي فرزات..أنت فرد لكنك تمثل في ميزان الرجال أمة.لقد دفعت ثمن شرفك وشجاعتك في بلد يحكمه نظام مستبد جائر.لقد ارتكبوا جريمتهم بالاعتداء عليك لأنهم يخافون منك.إنهم يملكون آلة القمع الجبارة، وأنت لا تملك إلا ريشتك، لكنك أقوى منهم لأنك تمثل الحقيقة وهم يمثلون الزيف والفساد.أنت المستقبل يا علي وهم الماضي المظلم. أنت قادم يا علي لا محالة وهم ذاهبون إلى مكانهم المستحق في مزبلة التاريخ.لقد انتهى نظام بشار الأسد ولم يتبق منه إلا عصا القمع ولسوف تنكسر قريبا وتحصل سوريا على الحرية...صديقي علي فرزات..سلمت يداك.
..ومن مصر
ولاشك ان ما حدث لعلي فرزات قد جدد مواجع تعرض الفنانين والكتاب لآلة الغشم والجهالة من السلطة القمعية ..وفي مصر القائمة تطول ..وهذا موضوع اخر ولكن في ثورة الخامس والعشرين من يناير استشهد اثنان من فنانينا: احمد بسيوني وزياد بكير مع اكثر 1200 من الورد اللي فتّح في جناين مصر من الشباب .
تحية الى اقلام وريشات تنبت زهورا ..والى شهداء الحرية وضحايا القمع والتسلط في كل مكان في الوطن العربي والعالم اجمع .