عندما تنطق الخراف ! خيري منصور
عندما تنطق الخراف !
خيري منصور
* القدس العربي
تلك حكاية لم ترد في 'كليلة ودمنة'، او كتاب الحيوان للجاحظ، ولم يذكرها ابن اياس في 'بدائع الزهور' يوم رأي ان الاحياء يأكلون موتاهم ثم ينقضّون على بغلة القاضي على باب المحكمة ليأكلوها بلا ذبح او بَسْمَلة، وذلك لسببين على الاقل اولهما ان الهاتف النقّال او الموبايل لم يكن قد اختُرع، وثانيهما ان الثُّغاء كان ما يزال حكرا على الخراف ولم يؤنسَن بحيث تصبح له بلاغته البشرية.
اما الحكاية فهي قبل ان يضاف اليها الموبايل تبقى كلاسيكية، إذ طالما طلب من يذهب بخروف الى الجزّار ان يستفيد من خروفه حتى النخاع، فاللحم للأكل والعظم للحساء والجلد للغمد او اللبن او للحذاء، والقرنان ان كان فحلا للزينة او وعاء للكحل، والفروة للعباءة او لمقعد، جديد الحكاية ان الخروف نطق بعد صمت هو من عمر سلالته، عندما سمع صاحبه يطلب من الجزار ان لا يبقي منه شيئا، وقال بقي لي الثغاء، خذوه من حنجرتي ليكون احد رنات هواتفكم، في زمن تحوّل فيه كل شيء الى مجرد رنين. وبالطبع لم يقرأ الخروف حرفا واحدا من كتاب رأس المال لماركس او حتى ما كتبه بول فاليري عندما فكك الاسد الى مكوناته الاولى كما يفكك الدولار الى سنتات، وقال انه ما من اسود على الاطلاق كل ما في الامر انها قطعان من الخراف المهضومة والتي جرى تمثلها.. لكن الخروف بالغريزة وحدها عرف اخيرا لماذا كان صاحبه يعلفه ويحرص على بقاء عافيته كي لا يموت قبل اوان الذبح، لهذا نطق اخيرا.
هكذا تعامل الاباطرة الاقوياء مع قطعان البشر، بدءا من السّيف والرمح حتى الاسلحة النووية مروروا بالمنجنيق. لم يضطر المستعمرون على اختلاف الوانهم ولغاتهم الى الذهاب لأي جزار لأن لديهم ما هو أمضى واحدّ من كل سكاكينه، فكانت متوالية استثمار الضحية على غرار تلك التي كانت ضحيتها الخراف بدءا من نهب ثروات الارض وكل ما في باطنها من مناجم الذهب والماس حتى النحاس والقصدير والبوتاس، لكن ما نهب لم يشبع هؤلاء، وكل ما فعله انه أسال لعابهم على الدم البشري بحيث استبدل الفحم الحجري بفحم بشري، ولو استطاعوا ان يغيّروا مسار الشمس بحيث تشرق من مكان آخر لفعلوا لكنّهم بسبب العجز عن ذلك أتوا اليها والى المياه الدافئة تحتها وحسدوا الضحايا حتى على سُمرة الوانهم، ولو استطاعوا لقشروها بالسكين كما فعل مايكل جاكسون تماهيا مع الجزار الابيض.
وتمددت السرعة من نخاع الارص والبشر الى الماضي، فجرّت الاثار من مسلات وزقّورات وجرار وتوابيت مذهبة الى المنفى الذي لم تولد فيه، تماما كما تقطع شجرة زيتون او نخيل من جذعها وتوضع في قارورة فخار، بعيدة الاف الاميال عن جذورها ! وما تعرّضت له الآثار من حجارة وفخار ومعادن، لم تصمد امامه المخطوطات، فمنها ما سرق وحمل بعيدا عن الريشة التي كتب بها، ومنها ما احرق في عقر داره، واخير تماهى المسروق مع السارق وقلّده حتى في حرق الكتب والمخطوطات والوثائق مثلما قلّده في تهريب الآثار او بيعها... ومن يسطو على التاريخ لن تسلم منه الجغرافيا، لهذا تبدلت التضاريس والمسافات واصبح الطريق من اية عاصمة عربية الى القدس او نابلس ابعد بآلاف الاضعاف من اية مسافة بين تلك العواصم وواشنطن او حتى بلاد واق الواق. تماما مثلما تبدل ذوو القربى واخذ مكانهم ذوو البعدى، في زمن حروف التوائم، والاشقاء اللدودين والاعداء الحميمين.
* * * * * * *
ما تبقى او سقط سهوا من قوارب القراصنة وسلال اللصوص هو هذا الشقاء، لقد عفّوا عنه ذات رحيل لأنه حمولة شاقة وغير مرغوب فيها، لكنهم الان عادوا اليه ليفعلوا ما فعله صاحب الخروف وشكر ضحيّته لأنها نبّهته الى ما تبقى منها وهوالثغاء ليضيفه الى قائمة الرنّات في هاتفه النقّال ...
وللشقاء البشري وبالتحديد العربي مناجم شبه اسطورية لا تنفذ، وهو المادة الخام الاخيرة التي يمكن استثمارها وتصنيعها، لكن باسلوب آخر، فالشقاء والفقر والجهل هي اقانيم الصناعة الثقيلة الجديدة، وهي تشبه جذع شجرة، يصلح لأن يكون قيثارا او كعب بندقية او قُبقابا شاميّا، كما يصلح لأن يكون مهدا او تابوتا ...
لقد صنعوا من خشب هذا الشقاء توابيت وليس مهودا، وقباقيب وليس قيثارات وما من مرة كان الشقاء فيها على وشك الولادة بعد حمل عسير ومخاض اشد عسرا الا وانسلّت القابلة التاريخية لاختطاف الجنين او اجهاضه في الرحم قبل ان يلمح النور. نذكر في ستينات القرن الماضي التي تشكل منها عقد فريد في التاريخ كيف انفجر المؤجل، وفتح باب التجريب على مصراعيه للسياسي والثوري والشاعر والرسام وطالب الجامعة وحتى الكلوشار والأفاق، وكانت الحرب الفيتنامية قد مهدت الطريق لهذا الانعتاق الكوني بعد ان ظهر الامبراطور عاريا ويقطر من مخالبه الدم، وبعد ان ظهرت الضحية بكامل بلاغتها الصامتة وهي تأمر الحمام كي يبني اعشاشه في خوذ الجنرالات بعد ان تقيأت رؤوسهم ...
وعندما اتذكر فيلم 'انهم يقتلون الجياد' لجين فوندا التي انتحرت فنيا بعد ذلك اقول بأعلى صوت: انهم الان يحصدون شقاءنا، قتل الجياد تمّ رمزيا على حلبات غارقة بلهاث الضحايا وما تناثر من زَبَد افواههم واستثمار شقائنا الان يتم بصورة مماثلة، وثمة مثل شعبي قديم يختصر الدراما كلها هو 'اُحرُث وادرس لبُطرس' لكن من هو هذا البطرس؟ انه بالتأكيد غير ما يوحي به الاسم ميثولوجيا او ثقافيا، فمقابل بطرس الناسك ثمة بطارسة من طراز الام تيريزا وروجيه غارودي والاب بيير وتشومسكي وآخرون. نقول ذلك احترازا من تأويل متوقع في عصر ممهور بالوشاية.
ان بطرس المقصود بالمثل هو اما الاقطاعي الذي كان يلتهم الاقنان كما يلتهم الصقر افراخ الحمام او الكومبرادور الوسيط الذي يعرض امه في مزاد الرّقيق او الاستعمار ذاته بشكليه القديم والحديث. ما نخشاه هو ان يكون حرثنا ودرسنا لمستثمري مادة خام اسطورية هي شقاؤنا بحيث نكتشف ما فجع به مونت كريستو عندما حفر في جدار زنزانته ليجد نفسه بعد اعوام من الكدح في زنزانة اضيق واكثر رطوبة !
* * * * * * *
ان اغبى الحواسيب على الاطلاق هو هذا الحاسوب العربي الذي يجعل من حاصل جمع اربع ثورات في العراق منذ عام 1920 احتلالا، ومن حاصل جمع عشرات الانتفاضات ومئات الاضرابات وستة ملايين لاجىء في فلسطين اضافة الى رقم لا نجرؤ عليه هو عدد الشهداء دويلة تعود بخفي حنين لتنقسم الى قبيلتين وكأن ثنائيات داحس والغبراء والغساسنة والمناذرة والأوس والخزرج وقيس ويَمن هي قدر تاريخ يأكل نفسه. ان من سرقوا ما في باطن الارض ودجّنوا من عليها وورطوا النمور في يومها العاشرحسب قصة زكريا تامر بحيث اصبحت تأكل العشب وتغثو، سرقوا ايضا ما قاله هارون الرشيد ذات يوم للغيمة قبل ان تصبح خيمة ... فهم الان يقولون للغيوم التي تشكلت من بخار الدم اذهبي حيث شئت فإن خراجك لنا .. ما دمنا نبيع الاسلحة بمئات المليارات ويخوضون حروبا من طراز فريد هي ما يسمى الانتحار القومي ...
ان ما جعل من الخروف خروفا ليس تكوينه الجيني او قدره او حظه الملعون بل سرعة تدجينه وتصديقه للانسان بأنه يعلفه لأنه يحبه ويحرص على صحته كي يعيش اطول، والى ان اكتشف الخروف الحقيقة كان كل شيء قد انتهى، لهذا قرر ان ينطق فقال لأول مرة 'لا' بدلا من 'ما' لكن ما قاله استخدم ايضا ضده فتم استلال صوت ثغائه ليُستخدم رنّة طريفة في الموبايل.
ما جدوى النطق بعد فوات الاوان؟ ما دامت خراف فاليري لم تصب الاسد الذي التهمها بالغثيان وعسر الهضم، ويبدو ان الضعاف كلهم وليست الخراف فقط اكتشفوا مُبكرا ان المنطق الاعزل لا يصمد امام الجهل المسلّح، وتلك حكاية اخرى عن خروف التقى مصادفة ذئبا، فتسمر مكانه، وقال له الذئب انه قبل عام اخرج له لسانه ولاذ بالفرار فقال الخروف ان عمري اقل من نصف عام، لهذا لم افعل ما تدّعيه، عندئذ اضاف الذئب بعواء منقّع في لعابه اذن فإن من اخرج لسانه كان أب الخروف لأنه يشبهه، وحاول المسكين ان يكون منطقيا فقال للذئب ان الخراف كلها تتشابه، وودع الحياة كعادة اسلافه وما يورث الان لأحفاده قائلا: انت جائع وقررت ان تأكلني، لهذا ارجوك لا تحمّلني عبء موتي!
وعلى من ليس لديه خروف يستنطقه ان يبحث عنه في خزانته او في زوايا بيته او تحت ثيابه، فأضعف الايمان اليوم هو ان نثغو بـ لا بدلا من ما !!!