شيمبورسكا في مفارقاتها المدهشة - شوقي بزيع
شيمبورسكا في مفارقاتها المدهشة
شوقي بزيع
* دار الخليج
برحيل الشاعرة البولونية المعروفة فيسوافا شيمبورسكا، يخسر العالم المعاصر إحدى أهم العلامات الشعرية الفارقة في القرن الفائت .
ولم تكن شيمبورسكا لتكتسب هذه الأهمية من خلال الجوائز الأدبية الكبرى التي نالتها بدءاً من جائزة غوته ووصولاً إلى جائزة نوبل، بل إن مثل هذه الجوائز قد جاءت تتويجاً حقيقياً للمنزلة التي احتلتها صاحبة “ناس على الجسر” و”النهاية والبداية”، في إطار الشعرين البولوني والعالمي على حد سواء، والواقع أن أحداً لم يفاجأ بالحدث النوبلي الذي استحقته شيمبورسكا عن جدارة عام ،1996 متقدمة بذلك على مرشحين مماثلين من شعراء بلدها الأم هما تادنوش روجيفيتش وزبيغنيف هربرت، لأن فرادة تجربتها القائمة على الجمع الحاذق بين بساطة التعبير وزئبقية المعنى الهارب دائماً من التفسيرات الجاهزة، كانت تؤهلها لاحتلال موقعها المتقدم بين شعراء العالم الكبار . كما أنها كانت تتواصل بشكل مشروع مع الشعرية البولونية العالية التي مكنت هذا البلد الواقع على خط الزلازل السياسية والديمغرافية العاصفة من انتزاع ثلاث من جوائز نوبل السابقة هم سينكيفيتش وريمونت وميلوش .
كان يمكن لشيمبورسكا التي واكبت الحقبة الشيوعية في بلدها خلال العقود التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، أن تظل في خانة الشعراء الهامشيين لو لم تحسن الاصغاء إلى نداء الحرية وتحولات الأعماق التي دفعت شعبها إلى أفق لمستقبله مغمس بالبذل والألم ودم التضحيات . فهي في مجموعتيها الأوليين “لهذا نحيا” و”أسئلة نسألها” تقف على الحافة بين أسئلة الحياة الصعبة والمؤرقة والخضوع لمقتضيات الشعبوية الواسعة وضغوط الأيديولوجيا التي دفعتها الواقعية الاشتراكية بمفهومها الجدانوفي إلى خانة الوعظ والخطابة والشعارات الحماسية، لهذا السبب على الأرجح كانت شيمبورسكا ترغب في التخلي الكامل عن هاتين المجموعتين اللتين رأت فيهما ما يظهر نوعاً من التواطؤ مع النظام السابق، ولم تضمنهما بالتالي أياً من مختاراتها الشعرية اللاحقة .
إن الذين يقولون بقدرة الفن العظيم على اختراق الأسقف الايديولوجية التي يضعها الفنان لنفسه مختاراً، أو مكرهاً أحياناً، لهم على حق في أغلب الأحيان . فالشاعر أو الفنان قد يفقد بوصفه أنساناً ومواطناً عادياً القدرة على الاختيار السياسي الصائب، وقد يذهب أحياناً إلى المكان الخطأ الذي لا ينتظره الناس منه في لحظة المواجهة الضاربة بين الطغاة والضحايا . ومع ذلك فإن فنه ولغته لا يخطئان الهدف بل يقودانه بقوة الحدس وجمالية الكشوف نحو الجانب العادل والمشرق من الحياة، وهو تماماً ما حدث لبلزاك الذي وقف بصلافة مفاجئة ضد كومونة باريس الداعية إلى التحرر من السلطة الغاشمة لنابليون الثالث، في ما كانت أعماله الروائية تنقب في أحشاء المجتمع الفرنسي الغارق في تناقضاته عن الضوء المنبعث من آخر النفق . وهو أمر ينسحب بالقدر نفسه على كتّاب وشعراء كبار في وزن عزرا باوند وإليوت وتوماس مان، وغيرهم ممن بدوا رجعيين في مواقفهم السياسية و”تقدميين” في حدوسهم الإبداعية ولغاتهم الكاشفة .
على أن شيمبورسكا لا يمكن أن تندرج في خانة الشعراء المتواطئين مع نظام الاستبداد أو أولئك الذين خذلوا شعوبهم بأي حال . قد تكون صمتت في البداية عن مثالب النظام الاستبدادي وموبقاته ولكنها سرعان ما استعادت موقعها في صفوف المعارضة وتخلت عن سياسة “القطيع” في الكتابة كما في الموقف، مؤثرة أن تخاطب النخبة الواعية لا الدهماء المضللة، والمستقبل الزاهي لا الواقع المتخثر، والمجاري العميقة للحياة لا سطوحها العابرة . هكذا بدأ شعرها منذ مجموعتها الثالثة “نداء بيتي” يتجه نحو الاختزال والتكثيف والإيماء إلى المعنى المتحول والمخاتل بعيداً عن الشرح والإطناب والتحريض الحماسي .
لقد أدركت شيمبورسكا الفخ الذي نصبته الحياة للأحياء والذي يقودهم في النهاية إلى موتهم المحقق، لذلك راحت في هجمة مضادة “تفخخ” اللغة نفسها بأنواع المفارقات كافة راقصة على الحبال المرفوعة بين الحقيقي والمتوهم، كما بين الدال والمدلول وبين المضحك والمبكي، وهو ما يظهر جلياً في قصيدتها “أوبرا هزلية” .
في قصيدتها الرائعة “يوم 16 مايو/أيار سنة 1973” تختار شيمبورسكا بشكل اعتباطي من أيام حياتها المنقضية لتقول إن ذلك اليوم كما سواه انزلق إلى هوة النسيان، بحيث يبدو كما لو أنه لم يحدث قط . وبشيء من التعميم يمكن أن ينسحب ذلك على الحب والكره والصبا وفورانات الجسد ولحظات النصر أو الهزيمة، ومثل هذه الفكرة تلح الشاعرة كثيراً على تجسيدها في قصائدها، وبخاصة في قصيدة الغيوم التي جاء في مطلعها: “لوصف الغيوم عليّ أن أسرع كثيراً، فبعد هنيهة تتوقف عن أن تكون هي نفسها وتصبح أخرى” . وكانت هذه القصيدة من الجمال والبراعة بحيث بدت قصيدة محمود درويش في وصف الغيوم تصادياً معها واستلهاماً لها، لقد أجمع النقاد تبعاً لذلك على إفادة شيمبورسكا من النظريات الفلسفية التي سبقتها وبخاصة نظرية هيروقليطس حول الحركة ومياه النهر التي لا نسبح فيها مرتين، وهو ما جعل شعرها يستبطن الكثير من الحزن والأسى في داخله . إلا أن لذة النص تطغى على سوداوية معناه وتدفعنا دائماً إلى الانتشاء بمفارقاته المدهشة، كمثل قولها “كل حلم جيد لأننا نستيقظ منه” من دون أن تخص الموت بكلمة واحدة .
رد: شيمبورسكا في مفارقاتها المدهشة - شوقي بزيع
تسلمين اختى على الانتقاء الطيب...
رد: شيمبورسكا في مفارقاتها المدهشة - شوقي بزيع
شاكرة إطلالتك المميزة،
دمت بخير،