بعد 14عاماً على رحيله نزار قباني الشاعر الأكثر حضوراً
بعد 14عاماً على رحيله نزار قباني الشاعر الأكثر حضوراً
مرت قبل أيام قليلة الذكرى الرابعة عشرة لرحيل الشاعر السوري الكبير نزار قباني (21 مارس/آذار 1923- 30 إبريل/نيسان 1998) والذي يعد بشهادة النقاد، رائد مدرسة شعرية خاصة في تاريخ الشعر العربي . لقد فتح نزار قباني عينيه على الحياة، حيث كل ما حوله يغوي بالانخراط في لجة الجمال، حيث طبيعة المكان الدمشقي التي كانت تتصادى في روحه، وتبحث عن معبر لها إلى عالم الإبداع، وهذا ما حدا به، وهو ابن الخامسة، أن يغرق في عالم الريشة والألوان، يرسم ما تمليه عليه قريحته، كنتاج لتفاعله مع العالم المحيط، وليستمر على هذا النحو إلى سن الرابعة عشرة، ليقلع عن الرسم، بل ليجذبه عالم الموسيقا، إلى حين . بيد أن سفره في رحلة مدرسية، عبر البحر إلى روما، دفعه، وهو في غمرة الانبهار بجمال عالم البحر ليكتب الأبيات الشعرية الأولى، واصفاً ما تقع عليه عيناه، من دون أن يدري ومن هم معه، في تلك الرحلة، أن ولادة شاعر كبير، قد تمت على متن تلك السفينة، ولهذا فإن قصائد نزار ستظل تنوس بين أقطاب الجمال، حيث ورود وأزاهير حديقة بيته الأول، ونوافيرها، وشدو الأطيار التي تحط على شجرة فناء الدار، فضلاً عن منظر عالم البحر الذي بات يمد ذاكرته البصرية بأمواجها الخلابة، والجذابة، التي تمتح منها صورته الشعرية، أياً كان المجال الذي يتطرق إليه .
وانخراط نزار، سليل عائلة أقبيق المعروفة، والثرية، ذات الحضور العريق في المجتمع الدمشقي، في عالم الفن والإبداع، لم يكن مجرد طفرة يمكن التعامل معها على هذا الأساس، وإنما كانت لأبيه علاقة بروح الشعر، كما سيشير إلى ذلك هو نفسه، بل إن عمه أبا خليل القباني، مؤسس المسرح، كان له من التأثير الكبير فيه .
وإذا كانت البيئة الأولى التي فتح عليها شاعرنا عينيه قد أثرت في أعماقه، وغذت فيه روح الحس بالجمال، لأنها بيئة أنموذجية، من هذه الناحية، فإن عامل تنمية هذه الروح، ظل مستمراً، وهو يسوح في العالم، ويتعايش مع أمكنة كثيرة، كانت لبنان إحدى محطات رحلته، حيث أقام فيها سنوات عديدة، كما أنه تفاعل مع أمكنة أخرى، عابراً، أو مقيماً إلى حين، ومن تلك المحطات المكانية المهمة، في حياته مصر، تركيا، إسبانيا، الصين، بريطانيا . . إلخ .
ولقد كان نزار من أكثر المتأثرين، بمحيطه الخاص، إلى تلك الدرجة التي يمكن اعتبار أن قصيدته، هي نتاج تفاعله مع عالمه الخاص والعام، وليس أدلّ من ذلك أن ثلاث صدمات كبيرة تعرض لها، أولاها انتحار شقيقته بسبب تزويجها من شخص لا تحبه، وبقيت دافعاً لتخيره تناول عالم المرأة، وحريتها، وتجلت الثانية في رحيل ابنه توفيق الذي أطلق عليه اسم أبيه، لارتباطه به، وتأثره بكاريزما شخصيته، وكان توفيق من زوجته الأولى زهراء أقبيق، ابنة عمه، كما أن الصدمة الثالثة تجسدت في مقتل زوجته بلقيس الراوي، عراقية الموطن، في حادث تفجير السفارة العراقية في بيروت عام ،1982 وراح يرثيها، كما رثى ابنه توفيقاً، في إحدى أعظم المرثيات في تلك المرحلة، وباتت قصيدته تستنسخ بخط اليد، من قبل أبناء جيلنا، آنذاك، وكانت القصيدة إدانة للمتهم بذلك العمل الإرهابي، وخاتمة لمرحلة إقامته في بيروت التي كانت له فيها دار نشر، وذكريات مؤثرة، لينتقل منها إلى محطته الأخيرة “لندن” التي سيغمض فيها عينيه على الحياة، ولينقل بعدها إلى دمشق، ليشيع في موكب جماهيري إلى مثواه الأخير، حيث عنوان هواه الأول، وقصيدته الأثيرة، وملاعب طفولته، وشبابه، ودراسته منذ المرحلة الابتدائية، حتى سنة نيله شهادة الحقوق، وانخراطه في السلك الدبلومسي الذي كان امتداداً، وتنويعاً، على علاقته بجماليات المكان .
إذا كانت القصيدة الأولى لنزار، صدى لتأثره بجمال البحر، في أثناء رحلته تلك، والتي يؤرخ لها ب15 أغسطس/آب 1939 بحسب موسوعة ويكبيديا فإن التجربة الشعرية له، التي بدأت عملياً بمجموعته الشعرية الأولى، “قالت لي السمراء” في عام ،1944 وكانت آخرها “أبجدية الياسمين” في عام ،1998 توزعت بين عالمين هما: المرأة والسياسة، ولعل صدمته برحيل أخته المفجع، كان حافزاً رئيساً لكتابته عن عالم المرأة، والحب، كما أن دخوله عالم الكتابة السياسية جاء بعد هزيمة 1967 على نحو واضح، وإن كان منذ قصيدته “خبز وحشيش وقمر” سيصطدم بمن حوله، ويضطر إلى نشر هذه القصيدة التي ألقاها تحت قبة البرلمان خارج بلده، بعد محاولة التأليب عليه . .! .
حقيقة، لقد استطاع نزار قباني، خلال رحلة نصف قرن، مع الإبداع، أن يجعل القصيدة كما قيل عنه “بمثابة الرغيف” .
ولعل في غناء أقطاب الطرب العربي لقصائده من أمثال: أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ وفيروز وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة، وغيرهم كثيرون، ما يؤكد جماهيرية هذه القصائد التي كان لها وقعها الكبير، في نفوس متلقيها، بل إن قصيدته السياسية، كانت تدب الذعر في قلوب بعض أولي الأمر المعنيين .
إن هذه الأهمية الكبرى لإبداع نزار قباني، تمت ترجمتها، على صعيد كبار النقاد الذين تناولوا إبداعه، بل إن هناك من أطلق حمم نيرانه على قصيدة قباني التي خدشت مفاهيمه الثابتة عن الشعر والفن .