خالص الدعاء لعقولنا مما نري ونشاهد
حكاية جحا وتلاميذه النجباء .. تذكرنا بحكايتنا نحن مع الخبراء
توقفت السيارة ذات الدفع الرباعي قريباً من القطيع، وخرج منها رجل حسن الهندام ليقول للراعي: إذا أخبرتك عن عدد البهائم التي ترعاها، هل تعطيني واحدا منها؟ تعجب الراعي من سؤال الرجل، لكنه أراد أن يعرف حكايته، فأجاب: نعم. أخرج الرجل جهاز حاسوب أوصله بالآي فون، وانتقل إلى موقع وكالة الفضاء الأميركية، حيث دخل على خدمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية، ثم فتح بنك المعلومات وجدولا في "أكسل"، وأجرى عددا من العمليات الحسابية، وخلال دقائق كان قد حصل على تقرير من 150 صفحة، وبعد قراءة التقرير بدقة وإجراء بعض الحسابات، التفت نحو الراعي وقال له: لديك 1647 رأساً من البهائم، وكان ذلك صحيحاً!طلب منه الراعي أن يقوم باختيار الخروف الذي يعجبه، فنزل الرجل من سيارته، وقام بجولة بين القطيع، ثم حشر الحيوان الذي وقع عليه اختياره في الصندوق الخلفي للسيارة. عندئذ قال له الراعي: لو استطعت أن أعرف مهنتك، هل تعيد إليّ خروفي؟ وافق الرجل، فقال له الراعي: أنت خبير أو مستشار! دهش الرجل وقال: هذا صحيح، ولكن كيف عرفت ذلك؟ قال له الراعي: عرفته لأكثر من سبب؛ أولاً: لقد أتيت إلى هنا دون أن يطلب منك أحد ذلك. ثانياً: لقد تدخلت في عملي وأنت لا تعرف عنه شيئا. ثالثاً: لقد سعيت لنيل مكافأة لقاء الإجابة على سؤال لا يهمك أنت، طرحتَه ولم تكن تعرف إجابته، بينما كنت أنا أعرفها سلفاً.. وهذه هي صفات الخبراء والمستشارين. على كل حال، أرجو أن تخرج كلبي من صندوق سيارتك فإنه ليس خروفا!ذكرتني هذه الحكاية، التي يتم تداولها عبر البريد الإلكتروني وتنتشر في بعض المواقع، بحكاية من التراث عن جحا، تقول إن حمارا أُهديَ إلى والي المدينة، ولم يكن الوالي قد رأى مثل هذا الحمار من قبل، فأعجب به أيما إعجاب، وصار يجلس إليه ساعاتٍ طويلة، ومن شدة إعجابه بالحمار جمع علماء المدينة، وألقى إليهم أنه يريد تعليم الحمار القراءة والكتابة! دهش العلماء من طلب الوالي، وقالوا له: يا مولانا كيف لحمار أن يقرأ ويكتب؟! لكنّ الوالي غضب غضبا شديدا، وقال لهم إنه ليس حمارا عاديا، ويجب عليهم أن يعلموه القراءة والكتابة، ووعد من يتقدم للقيام بهذه المهمة وينجح فيها بجائزة كبرى، أما من يفشل فسيطيح برأسه.خرج العلماء من عند الوالي يضربون كفا بكف، وتحلقوا في المسجد يتشاورون بعد أن تملكتهم الحيرة، وكان جحا يصلي وهو يسمع حوار العلماء، فاقترب منهم بعد أن انتهى من صلاته، وقال لهم: لقد سمعت تحاوركم فخذوني إلى الوالي، وقولوا له إن هذا الرجل أعلمنا وأكثرنا معرفة، وإنه من سيعلم الحمار القراءة والكتابة! نظر العلماء إلى جحا بإشفاق وقالوا له: سوف يقتلك الوالي، فكيف لحمار أن يقرأ ويكتب؟ لكنه أجابهم: إن نجحتُ رفعت سيف الوالي عن رقبتي ونلت الجائزة التي وعد بها، وإن فشلتُ كنت فداءً لكم، فأنتم علماء المدينة وفقهاؤها، وأنتم أنفع لها مني.أخذ العلماء جحا إلى الوالي وقدموه إليه على أنه أكثرهم معرفة وعلما، وأنه من سيقوم بالمهمة التي طلبها منهم، فسأله الوالي: هل تستطيع حقا تعليم الحمار القراءة والكتابة؟ قال جحا: لقد آتاني الله علم نبيه سليمان في فهم لغة الطير والحيوان، والحمار يحتاج جهدا مضاعفا كما تعلمون يا مولاي، لكنني أقطع لكم أنه سوف يتعلم القراءة والكتابة بعد عشرين عاما إن شاء الله تعالى! شهق الوالي وقال له: عشرون عاما؟ هذا زمن طويل. فرد جحا: إن الطفل الصغير يا مولاي يقضي عشرة أعوام من عمره على الأقل حتى يجيد القراءة والكتابة، وهو إنسان، فما بالكم بحيوان من فصيلة الحمير؟وافق الوالي على طلب جحا وسلمه الحمار، وأمر بصرف راتب شهري مجزٍ له، مع مخصصات لمعيشة الحمار الذي ساقه جحا أمامه، والعلماء في حيرة من أمرهم وأمره، ثم قالوا له بعد أن خرجوا من ديوان الوالي: نحن ندين لك بالفضل يا جحا لأنك رفعت غضب الوالي عنا، ولكن بالله عليك أن تعلمنا نحن أيضا لغة الطير والحيوان وعلم سليمان هذا الذي اكتسبته. ضحك جحا حتى كاد يغشى عليه، وقال للعلماء: أي علم هذا الذي تتحدثون عنه؟ وهل انطلت عليكم أنتم أيضا الحيلة أيها العلماء الأفاضل؟ بهت العلماء وقالوا له: وماذا ستفعل عندما تفشل في تعليم الحمار؟ ألا تخشى أن يطيح الوالي برأسك؟ قال جحا: لقد طلبت من الوالي أن يمهلني عشرين عاما، وخلال هذه الأعوام العشرين سيحدث واحد من أمور ثلاثة؛ إما أن أموت أنا، أو يموت الحمار، أو يموت الوالي!انتهت حكاية جحا مع الوالي، لكن حكايتنا نحن مع الخبراء لم تنته، فهؤلاء الذين يضعون لنا خططا طويلة المدى، لا شك أنهم درسوا حكاية جحا وحفظوها عن ظهر قلب قبل أن تطأ أقدامهم مراعينا، لذلك وضعوا لنا خططا، بعضها خمسي وبعضها عشري وبعضها أطول من ذلك، في مجالات كثيرة، ووعدونا بحصد النتائج بعد فترات، اختفى خلالها واحد من أطراف حكاية جحا الثلاثة، بطريقة أو بأخرى، وكان الرابحون الوحيدون هم تلاميذ جحا النجباء الذين استفادوا من الحكاية وطبقوها بشكل يتناسب مع العصر ومتغيراته. أما نحن فبقيت ذاكرتنا مثقوبة، نكتفي من الحكايات بطرافتها، ولا نعي الدروس والتجارب رغم كثرتها وتكرارها، مع الاعتذار للخبراء الذين لا يستطيع بعضهم التفريق بين الخروف والكلب.. وخالص الدعاء لعقولنا بالسلامة مما ترى وتشاهد
بقلم علي عبيد جريدة البيان
رد: خالص الدعاء لعقولنا مما نري ونشاهد
تسلم يا اخ جالوب على الطرح