وصية الكاتب - إبراهيم اليوسف
وصيـة الكاتـــب
إبراهيـــم اليوســـف
* دار الخليــــج
إذا كانت وصية الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز المفعمة بحب الحياة، تحض على التفاؤل، وتعد في جوهرها وصفة لاستثمار الحياة، على أكمل وجه، فإن أول وصية لكاتب عربي ظهرت بعدها، كانت للروائي السوري حنا مينة، الذي كانت حياته أشبه بحيوات أبطال رواياته، هؤلاء الذين كانوا يترجمون قولة سانتياغو بطل رواية الشيخ والبحر لأرنست همنغواي “الإنسان قد يتحطم لكنه لايستسلم” تلك العبارة الخالدة، التي أصبحت أيقونة الواقعية الاشتراكية، إلى وقت طويل، وإن كانت وصية حنا مينة التي نشرها قبل أعوام، في إحدى الصحف السورية، قد دعا فيها إلى قطع كل مظاهر الحزن عليه بعد رحيله، وتسليم جسده إلى أحد مكاتب دفن الموتى، على اعتبار أن أهله لم يكترثوا له في حياته، كما أنه طلب من وسائل الإعلام ألا يشيروا إلى ذلك، ليمر موته الذي طال انتظاره له، إلى تلك الدرجة التي لم يعد يصدق فيها أنه سيموت .
وبالرغم من أن وصية مينة كانت مشبعة بالألم والحزن، وقد جاءت، بكل تأكيد، نتيجة رد فعل المبدع تجاه المحيطين به وإهمالهم له، فإنها في الوقت نفسه كانت رسالة إلى مجتمع الروائي، الصغير، والكبير، على حد سواء، لعلها تدعو إلى لفت النظر إلى المبدع، الذي طالما يتم نسيانه . بيد أن ما نشره مؤخراً الباحث السوري إبراهيم محمود تحت عنوان “منشور غير سياسي معمم” يعد وصية استفزازية من قبل كاتب له الكثير من الدراسات الفكرية المتنوعة، والشعر، والرواية، والقص، والنقد، وبأكثر من لغة، ويعتبره بعضهم من أهم الباحثين الذين تناولوا القضايا الحساسة، والإشكالية، بمزيد من الاجتهاد والعمق، لدرجة أن كثيراً من دراساته يعد الأكثر مبيعاً في عدد من المعارض العربية، وإن كان هذا المفكر يعيش ظروفاً استثنائية، جد صعبة، بالرغم من عطاءاته الهائلة، في تلك المجالات كافة .
إن لحظة الشعور بالأسى، تبلغ حدها الأعظم لدى محمود الذي يذهب أبعد من ماركيز، وبما يشبه طريقة حنا مينة، حيث دوّن اسمه الكامل، واسمي والديه، وتاريخ ولادته، مشيراً إلى سوء الحال، والوضع الصحي، وعدد كتبه المطبوعة حتى الآن، التي بلغت الخمسين، طالباً بدوره ألا يتناول أحدهم نتاجه بالدراسة والتقويم، بعد موته، مستثنياً قلة من أصدقائه المقربين، ومن نقدوه في حياته، مبيناً أنه سليل أسرة لم يعرف لها ماض في الحروب والمعارك، بل إن ما ميز هذه الوصية، هو أنه دعا صراحة إلى أن يكتب على شاهد قبره “ولِد منبوذاً وعاش منبوذاً ومات منبوذاً! تلك هي رغبتي الكبرى!” .
إن وصية إبراهيم التي ظهرت مؤخراً، هي رثاء استفزازي، واخز للضمير، وللذاكرة، وهي ليست مجرد لسان حال مثقف استثنائي كبير، فحسب، وإنما تجسد مأساة علاقة المثقف السيزيفي بمن حوله، على اعتبارها أزلية، مستمرة، متواصلة، مادام أن المثقف مصرّ على تحقيق شرطه الثقافي، بعيداً عن أية ممالقة، أو ذيلية لمراكز الثقل البراقة، التي لا أهمية لها، ولا مستقبل، إذا قورن الأمر بعظمة ما يفعله المثقف المجرِّب، حامل رسالة أهله، ووطنه، والإنسانية جمعاء .
رد: وصية الكاتب - إبراهيم اليوسف
تسلمين أختى رذاذ دائما ما يسعدنى قرائه ما تظعينه هنا..
رد: وصية الكاتب - إبراهيم اليوسف
وحليله غمضني والله
اخس شي الانسان يحس بالوحده مع انه عنده اهل
رد: وصية الكاتب - إبراهيم اليوسف
شكـرا لهطولكم الزاخر،
دمتم بسعادة لا تنضب،