قصيدة النثر الإماراتية تنفتح على مناخ العصر
قصيدة النثر الإماراتية تنفتح على مناخ العصر
استفادت من منجزات الحداثة الشعرية
شهدت بدايات القرن التاسع عشر نقطة التحول لبداية عصر أدبي جديد سمي ب “عصر الحداثة” يصفه النقاد بأنه جاء كرد فعل على آداب القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين، التي تميزت بطبيعة كلاسيكية استنفدت مقومات بقائها، واستفاد الشعر العربي من أجواء الحداثة الأدبية بناء على وعي فكري جديد، تمثل في تجارب مبدعين كبار مثل: رامبو وبودلير اللذين انتقلا بسرعة إلى الساحة العربية بفضل نشاط حركة الترجمة، في وقت كانت فيه الأرض العربية مهيأة لتغيرات سياسية واجتماعية، تتمحور حول فكر نهضوي يعيد للآداب العربية حضورها المفقود في ذاكرة الإبداع العالمية .
والمتابع لصدى الحداثة الأدبية العربية سيقف مطولاً أمام التجربة الشعرية، التي بدأت تتمظهر في أربعينات وخمسينات القرن الفائت في شكل قصيدة التفعيلة ومن بعدها قصيدة النثر اللتين أشبعهما النقد العربي تفسيراً وتحليلاً .
وبطبيعة الحال كانت الساحات العربية في العراق ومصر ولبنان وبلاد الشام، هي من أول البلدان التي تفاعلت مع تيار الحداثة الشعري، ومع القفز على كثير من الأسماء المؤسسة من رواد معروفين للجميع، بدأت الساحات العربية الأخرى، تتصالح مع تلك الحداثة، كما هو حال بلدان الخليج العربي، التي ساعدت ظروفها الاجتماعية والاقتصادية، على تقبل فكرة الحداثة والتجديد بسرعة قياسية، ففي الشعر على وجه الخصوص، كانت قصيدة النثر هي الطاغية في الإمارات، وقد انطلقت في منتصف ثمانينات القرن الماضي وما بعده من خلال أسماء كثيرة منها: ظبية خميس وأحمد راشد ثاني، وعبدالعزيز جاسم، ونجوم الغانم، وخالد بدر، وخالد الراشد، وخلود المعلا، وعبدالله السبب، وأحمد العسم، وعبدالله عبدالوهاب، ومحمد المزروعي، وثاني السويدي، واحمد منصور، وعادل خزام، وإبراهيم الملا وغيرهم .
كانت هذه الأسماء وغيرها قد تأثرت بمنجزات الحداثة العالمية، كل حسب تجربته ووعيه الثقافي وخصوصية تجربته، ومن المهم هنا التأكيد على أن الحداثة الشعرية الإماراتية قد طالت كلاً من الشكل والمضمون، واستوعبت وعياً جديداً ابتعد عن كل أشكال الصدامية، من نوع نصرة ومؤازرة نوع شعري على غيره، كالحرب المفتعلة بين شعراء العمودي والتفعيلة، أو بين هؤلاء وشعراء قصيدة النثر، وقد بدا لافتاً أن التجربة الجديدة هذه قد بدت متصالحة نوعاً ما مع فكرة المدينة في الوقت التي حافظت فيه على أصالتها وامتدادها التراثي، الذي تمظهر في عدة بنى وعناصر، كما استفادت من المحمول التراثي، ووظفته في متن وحيوية النصوص ورشاقة المعنى والدلالة .
ومثل هذه الحداثة التي تفتح مصراعيها لتقبل الآخر في الساحة الإماراتية، كان لها صدى في المنجز الكلي للشعراء الحداثيين، ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه إبراهيم الملا من قصائد تميل إلى استخدام أسلوبية تتسم بالتلقائية، يقتنص من خلالها شعرية كامنة في التفاصيل اليومية وبعبارات مكثفة ترصد أعماق التجربة الإنسانية .
ومثل إبراهيم الملا كانت لتجربة أحمد العسم الذي استفاد من المنجز الحداثي العالمي الذي فتح أمامه نافذة من الثقافات الإنسانية، ومجالاً رحباً من الصور والأفكار والتداعيات البالغة الحيوية التي شجعته على الكتابة فيقول “حينها يفتح الليل صندوقه وأمد يدي لأسرق منه بعض الكلمات” .
في السياق ذاته كانت تجربة عبدالله عبدالوهاب من التجارب التي استفادت من توظيف المنجز الفلسفي في الشعر، وهو منجز يحيله عبدالوهاب على كثير من الدلالات والمضامين والأبعاد البادية في أكثر من قصيدة من كتبها، ففي ذهنه دائما تقاطعات واشتباكات من الشعر اللاتيني الأمريكي، يضاف اليها رصيد نثري من كتابات عالمية أخرى مثل كارلوس فوينتس واكتافيو باث وماريو فارغاس يوسا وغيرهم .
أما عبدالله السبب فقد كان على مسافة واحدة من كل أشكال الثقافة العالمية، التي يعترف بفضلها في توظيف المنجز الشعري وتطوير الأدوات الشعرية لديه، كما هو في تكثيف اللغة التي ينظر إليها السبب بوصفها مادة الشعر الاساسية، ومنبع الصور والأفكار والمضامين .
والسبب يبدو متأثراً بالشاعر العالمي آرثر رامبو، الذي يعترف دائما بأنه يحفزه على قول الشعر، رامبو بأبعاده الإنسانية القريبة من شغاف الشعر وتوهجه .
وكانت تجربة الشاعر محمد المزروعي، في أكثر من ديوان شعري نشره تنطلق من فكرة التحولات التاريخية التي قلصت الهوة بين الأنا والآخر، واستفادت مما طرحته الميديا الحديثة، فكان الشعر عنده متصالحا مع فكرة الإنسان، والعصر الذي يعيش فيه، حيث يبحث دائما عن المشترك الإنساني سواء لدى بورخيس أو مالارمية أو محمود درويش أو رامبو أو أمل دنقل أو صلاح عبدالصبور وغيرها من النماذج الشعرية المؤثرة .
هنا يتلاشى مفهومي الزمن والكون عند المزروعي كما هو عند بقية الشعراء المذكورين آنفا، ومن دون أن تكون هناك أي فواصل لا شكلية ولا مضمونية، سوى ما تتركه قريحة الشعر الذي يقول ما يريد في ميدان معطاه الإنساني والتاريخي .
رد: قصيدة النثر الإماراتية تنفتح على مناخ العصر