رواية «ملحمة سيبيريا» .. قساوة بيئية.. حضارة متميزة
رواية «ملحمة سيبيريا» .. قساوة بيئية.. حضارة متميزة
* الثورة السورية
هي رواية غريبة من نوعها تجمع بين الملحمة والريبورتاج سطرها الروائي الكوبي جيسوس دياز من خلال التلاعب بالأضداد... أضداد مخيلته من جهة والواقع من جهة أخرى، والواقع في هذا العمل هو أرض سيبيريا المدججة بأساطير عرفتها بحيرة «بايكال» وصولاً إلى نهر آمور (الحب) الروسي وعنوان هذه الرواية «ملحمة سيبيريا» ترجمها عن اللغة الاسبانية فرانسوا ماسيبرو ونشرتها باللغة الفرنسية دار غاليمار، وقد ظهرت في هذا العمل موهبة جيسوس كأبرز روائيي كوبا وأدباء اللغة الاسبانية في القرن العشرين.
ويكلف جيسوس دياز بطل رواية «ملحمة سيبيريا» بتغطية ريبورتاج في المناطق الشمالية الباردة من الاتحاد السوفييتي عام 1980 قبل أن يسقط جدار برلين ويدعى البطل «باربارو» حيث يعمل في هافانا كصحفي صاعد يسعى لشق طريقه تحت شمس الشهرة مع أنه لم يتجاوز في مطلع الرواية سن الخامسة والعشرين حين توجه الى سيبيريا بلد الثلوج الدائمة.
أما موضوع الريبورتاج الذي كلف باربارو بتغطيته فيتعلق ببناء سكة خط حديدي يصل بين بايكال وآمور وماجسترال أي يتجاوز ألاف الكيلومترات من الأراضي الجليدية ليجد بعد ذلك باربارو نفسه محط أنظار سكان سيبيريا... هؤلاء الذين لم يشاهدوا في حياتهم شابا ذا بشرة سوداء، وهناك يكتشف الشاب صاحب البشرة السمراء حبه الأول في حياته حين عشق مرافقته التي تترجم له أحاديث وأغاني تلك البقاع الجليدية التي استهوته حيث كان ينتقل هذا الثنائي من مخيم سيبيري الى جزيرة شديدة الحرارة.
وتتشابك تناقضات العادات السيبيرية الغريبة على باربارو مع طبائع البشر هناك ومع التبدلات المناخية لتتحول انطباعاته الى ملحمة اسطورية جديدة تختزنها ذاكرة الصحفي وريبورتاجه المثير للدهشة، فالصحراء السيبيرية في عيون بطل الرواية أشبه بديكورات فيلم طويل لاتعرف نهايته اذ لم يتمكن باربارو من التواصل مع سكان تلك المناطق السيبيرية الا عبر مترجمته الشقراء التي تدعى ناديجا.
كما لم تسعف ذاكرة باربارو المتقدة وهواجسه الصحفية وشجاعته في مواجهة المخاطر والموت المتربص بالجميع في صحراء ثلجية قاتلة ما أعطى عملية السرد والصور المجازية والحبكة مصداقية أكثر لرواية تستخدم الريبورتاج لرسم ملحمة متخيلة لأرض مليئة بالكنوز والتراث الثقافي الشفهي الذي لايزال بعيد المتناول عن جمهور القراء.
وتنتهي الرواية الملحمية بوفاة بطلها باربارو الذي لا يمتلك تجارب سابقة في بيئة قاسية كهذه لا تفشي أسرارها رغم بكارتها الا لعشاقها دون مريديها.
أليست قساوة تلك البيئة هي التي جعلت من سكان سيبيريا أناسا متفوقين ومتميزين في حضارتهم عن أهل المدن والسواحل الدافئة؟!...