الأقصى ينادينا..
الأقصى ينادينا: معشر الأئمة والدعاة والمفكرين
http://www.ikhwanonline.com/Data/2009/4/16/img7.jpg
بقلم: د. صلاح الدين سلطان
أبدأ بقصتين مؤلمتين:
1- في ديسمبر سنة2001م، وبعد أحداث سبتمبر قرَّر الاتحاد الفلسطيني بأمريكا الاستمرار في إقامة مؤتمره السنوى الحاشد بمدينة "شيكاغو" عن القدس والأقصى وفلسطين، ووجَّه الدعوة إلى كثير من المحاضرين الدوريين وغيرهم؛ لكن الاستجابة كانت ضعيفة جدَّا؛ خوفًا من الغضب الأمريكي لا الإلهي!، ولما خابرني مدير الاتحاد آسفًا لهذا الخذلان، قلت له: رغم أني مدعو لمؤتمر إسلامي في السويد، وقطعت التذاكر لكني سوف ألبي دعوة القدس فهي أوجب؛ خاصة عندما يتخلَّى من كانوا يطلبون ويلحون على أعضاء الاتحاد أن يمكنوهم من كلمة في المؤتمر.
2- صليت الجمعة مرارًا في المسجدين الحرام والنبوي، وخرجت باكيًا معتذرًا إلى الله مما يفعله أئمتنا؛ لأن بعض خطبائنا لم ينسوا الدعاء للملك- ولا حرج- لكنهم نسوا ثالث الحرمين وأولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين!!، وهو أحوج ما يكون إلى دعاء خالص في الحرمين، يُؤمِّن وراءهم ملايين المسلمين من بقاع الأرض لتبقى القضية ولو شبه حية في وجدان الأمة.
وإذا كان عندي من هذا الكثير؛ فإنني أحب أن أشهد الله على هذه القناعات والتساؤلات والواجبات.
http://ikhwanonline.com/Data/2009/5/31/ikh7.jpg
د. صلاح الدين سلطان
أولاً: القدس مسئولية مَنْ أولاً؟:
القدس مسئولية العلماء والأئمة والدعاة والمفكرين قبل غيرهم، ولا أبالغ إذا قلت: إن ما يجري في فلسطين وأهلها والقدس والمسجد والأقصى تقع مسئوليته أمام الله تعالى على الأئمة والدعاة والمفكرين قبل الحكام والمسئولين في عالمنا العربي والإسلامي، ذلكم لأن السلطان والقرآن قد افترقا بعد أن كان الخلفاء والأمراء والولاة علماء من حملة كتاب الله، ومن حفظة أحاديث رسول الله، ومن أصحاب الحَمية والغيرة على دين الله؛ لكن الواقع تحول وبقي الأئمة والدعاة والمفكرون يحملون هذا النور، ومن هنا تضاعفت مسئوليتهم، لكني أتساءل بلغة المحب المشفق على نفسه وعلى هذه الفئة التي اختصها الله بفقه النص والواقع: أين دورنا في مقاومة المحتل الصهيوني ونصرة القدس واستنقاذ الأسرى ونجدة إخواننا في فلسطين؟!
فإذا كان عدد الأئمة والخطباء والعلماء في بلادنا يزيدون عن مليون إمام وخطيب؛ فكم من هؤلاء يحرِّكون هذا الخمول وذاك الركود من خلال دروسهم وخطبهم؟!
وإذا كان الدعاة في هذه الأمة عشرات الملايين من كل الجماعات والمذاهب والتيارات فأين القدس وفلسطين في خطابهم الدعوي عبر الفضائيات، والمنتديات، والمحاضرات، والمؤتمرات، والمجالس؟!
وإذا كان الكُتَّاب في هذه الأمة أيضًا بالملايين في صحف وكتب ونشرات تصدر في الصباح وفي المساء، وفي المناسبات الدينية والأعياد الوطنية والقومية؛ فأين القدس في اهتمام هؤلاء؟!
إنني لا أعفي حكام المسلمين وأنظمتهم من هذا الاستسلام لأعداء السلام من الصهاينة المعتدين، كما لا أعفي عموم الأمة من المسئولية عن تحرير فلسطين والقدس والمسجد الأقصى؛ لكني بيقين أرى أن الأنظمة لا تتثبت، والشعوب لا تسكت إلا عندما يضعف أو ينعدم دور هذا الحلقة الجوهرية من الأئمة والدعاة والمفكرين، ومن هنا فإنني أريد أن أطرح هذه الأسئلة لهذا الفئة بشكل خاص عسى أن تحرك قلوبًا مسَّها الإيمان مسًّا رقيقًا أو عميقًا، أو تحرِّك عقولاً أنهكها الجهد وراء لقمة العيش؛ لتتحرر كما قال الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
وأهم هذا الأسئلة المطروحة ما يلي:
1- هل نسخت معاهدات السلام آيات الجهاد حتى لم نعد نسمع- إلا ما ندر- إمامًا يصلي في الصلوات الجهرية أو في الجمعة بالآيات التي تتحدث عن الجهاد أو بني إسرائيل وفسادهم وإفسادهم في الأرض، مع أنكم كنتم تردِّدون هذه الآيات قبل معاهدات السلام فحفظناها من أفواهكم: ﴿لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)﴾ (المائدة)؟!
2- ماذا سنقول لله عز وجل عن الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)﴾ (آل عمران)، عندما تحدَّث القرآن في خمسين سورة عن بني إسرائيل، ثم خلت الدروس والخطب والمقالات من إشارة عن بعض ما جاء في هذا الكتاب العظيم؟!!.
3- ماذا سنقول لله عز وجل عن كتمان هذا الزيف الصهيوني الذي تعرفونه جيدًا من خلال تلمودهم المحرف الذي يُدرَّس مثل الفيزياء واللغات في المدارس للأطفال، وحذفنا نحن آيات الجهاد من مناهجنا، وظل التلمود يُدرَّس في كل المراحل لدى الكيان الصهيوني المحتل؟!! ومن الأمثلة للتذكير لا للتأسيس على هذا الزيف في التلمود ما يلي:
- "أن الله يلطم كل يوم ويلعن نفسه أنه شتَّت بني إسرائيل في الأرض".
- "أن الله دخل في معركة مع النبي إسرائيل ونجى من الموت بأعجوبة".
- "أنه لا شغل لله في الليل غير تعليمه التلمود مع الملائكة".
- وجاء في التلمود كذلك: "إن آدم عاشر شيطانة اسمها لِيليا عشرة زوجية مائة وثلاثين سنة، وقد أنجبت له شياطين وأقزامًا، وأما حواء فقد عاشرت شيطانًا مائة وثلاثين سنة معاشرة زوجية، وأنجبت للشيطان ذرية".
- وجاء في التلمود أيضًا أن ابنتي لوط قالتا: "لم يعد في الأرض رجال نتضجع معهم، فهيا نسقي أبانا خمرًا ثم نتضجع معه؛ ففعلتا".
- ويقول التلمود اللَعين عن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: "يسوع الناصري ابن غير شرعي حملته أمه وهي حائض سفاحًا من العسكري (بانذار)؛ وهو كذاب ومجنون ومضلل وساحر ومشعوذ ووثني ومخبول.... وأنه مات كبهيمة ودفن في كومة قمامة".
- "أن من ضرب إسرائيليًّا فكأنما ضرب العزة الإلهية".
- "اليهودي لا يخطئ إذا اعتدى على عرض الأجنبية؛ لأن المرأة غير اليهودية بهيمة ولا تعاقد مع البهائم".
- "وجاء في التلمود أيضًا: "يحل اغتصاب الطفلة غير اليهودية متى بلغت من العمر ثلاث سنوات، فقد وهب الله- وحاشا لله- اليهود حق السيطرة والتصرف بدماء جميع الشعوب وما ملكت".
- ومن أقبح ما جاء في التلمود قولهم: "من رأى أنه يجامع أمه فسيؤتى الحكمة، ومن رأى أنه يجامع أخته فسيؤتى نور العقل".
- "إذا وقع أحد الوثنيين في حفرة فيلزمك أن تسدها بحجر".
- "أن من يقتل مسيحيًّا أو أجنبيًّا أو وثنيًّا يكافأ بالخلود في الفردوس والجلوس هناك في السراي الرابعة، أما من قتل يهوديًّا فكأنه قتل العالم أجمع".
- "أن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها حتى بأمر الله".
هل يمكن أن يكون هناك أفدح وأسوأ وأحقر من أن تكون هذه عقيدة قوم نسكت عنهم فيفعلون بإخواننا الأفاعيل، ويزيفون معالم القدس والأقصى.
4- أين مؤتمر حكماء الأمة من المفكِّرين والعلماء والأئمة ليعقد في المدينة المنورة أو مكة المكرمة أو أية عاصمة إسلامية؛ ليواجه مؤتمر سفهاء بني صهيون الذي انعقد منذ 1897م، ووضع خطة محكمة لاغتصاب فلسطين، وإذلال العرب والمسلمين، ثم حولوا الحلم إلى واقع، بينما نحن نهرول إلى مفاوضات السلام، وتنتفخ أوداجنا وتحبَّر صحائفنا، ونهرول إلى الفنادق كي نؤكد أننا دعاة سلام وتعايش مع الآخر حتى لو رُكلنا بالأقدام، واغتصبت القدس وفلسطين، ووضعت المصاحف في دورات المياه تُمسح به أدبارهم، ورسم الرسول عليه السلام في صورة خنزير يقف على صفحة من القرآن الكريم، ومع هذا نتسوَّل السلام منهم! ونتوسل إلى مسانديهم من الأمريكان والأوربيين، ونستجدي شفاعتهم أن يخففوا وطأتهم علينا؟!
5- لماذا لا نلحُّ على الناس بخطر تهويد القدس، وتهجير ستة ملايين فلسطيني من أبناء الأرض، وقد سوى القرآن بين القتل والإخراج من الديار، مما حوَّل المغتصبين إلى سيطرة فعلية على أكثر من 90% من أرضها، والفلسطينيون في علب غير آمنة تحت إشراف أعدائهم؟!
6- ماذا ستقولون أيها الدعاة والأئمة والعلماء والمفكرون إذا سألكم الله تعالى عن دماء وأشلاء إخواننا وأخواتنا وأطفالنا في فلسطين عامة وفي غزة خاصة؟! هل نسيتم أن حرمة المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة؟! وماذا ستقولون عن 10 آلاف أسير في السجون الصهيونية، وقد قال الإمام مالك: " لو وجد أسير واحد لدى أعدائنا؛ فيجب فداؤه ولو استغرق ذلك أموال المسلمين جميعًا"، وإذا كان أسير واحد يهودي "جلعاد شاليط" الآن تُقام الدنيا لأجله، ألا تكون لدينا بقية من خجل أننا نسينا هذه الأعداد بالجملة؟!.
7- هل يستطيع أحدنا أن يكون له قلب ينبض، وعقل يفكر، وهو يمر على آيات سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: من الآية 1)، وقوله تعالى: ﴿الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 71)، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا للقدس الأسير والمسجد الأقصى الجريح؟!
إن صدقنا الله؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عسانا أن نفعل؟، وهذا ما سأطرحه فيما يلي:
ثانيًا: واجبات عملية:
1- تحويل قضية القدس من قضية تشغل النخبة إلى قضية تهم الأمة بالإلحاح المستمر المتعدد الوجوه في الدروس والخطب والمحاضرات والفضائيات، ليس كما يفعل الصهاينة كمشروع سياسي، بل نتجاوزه ليتوازى مع حجم القضية في القرآن والسنة والتاريخ والواقع كفريضة شرعية وضرورة حياتية.
2- إعلان شعار: (القدس والأقصى قبل بيتي الذي أسكن فيه).
3- حث الأمة على قبول مبدأ التضحية لتحرير الأقصى وفلسطين، وليس التسوية التي تمت فيها التضحية بالقضية.
4- الشعور الحي الحار بالمسئولية عن كل ما يجري في فلسطين، واستحداث أنشطة تناسب كل الأعمار "من الطفولة إلى الشيخوخة"، تجعل القضية حية في عقل ووجدان الجميع.
5- الدعوة إلى أن يفطر أبناء الأمة يومًا واحدًا كل رمضان على الخبز والزعتر، والتصدق بثمن الوجبة المعتادة لإخواننا المحاصرين حراس القدس والأقصى وفلسطين.
6- أدعو شيوخنا ومفكرينا إلى الاجتهاد في أمر يشغلني من أجل القدس والأقصى وفلسطين وهو: "هل يمكن أن يتبنى العلماء والأئمة فتوى بوقف الحج والعمرة إلى الحرمين حتى يتحرر الأقصى؟!"؛ لأن الحج واجب على التراخي وتحرير القدس وفلسطين واجب على الفور، ولا شك أن الطبيب يؤخر الصلاة حتى لو خرج وقتها لإنقاذ مصاب يوشك على الموت، بالإضافة إلى أن تكرار الحج والعمرة من النوافل التي تصدق فيها القاعدة "إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة".
7- أرجو أن يتذكر أئمتنا وشيوخنا ومفكرونا قول الشاعر:
ولا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه
وقول الشاعر:
إن الشجاعة في القلوب كثيرة ورأيت شجعان العقول قليلا
فأعلِنوا ما يدور في أعماق الصدور والعقول؛ كي يسمعنا العالم، ونحرك الواقع من أمة راكدة إلى أمة رائدة.