سعيد سالم . . رفيق الظل والنور
سعيد سالم . . رفيق الظل والنور
أغلق باب الغرفة بإحكام بعد أن أحضر ملاءة بيضاء، ومصباح والده الذي يعمل بالبطاريات، ويستعين به لتبديد ظلمة الليل الحالك، علق الملاءة على الجدار وأشعل المصباح في ركن مناسب يضيء الملاءة بكاملها، وراح يقلد مشاهداً من مسلسل “وضحى وابن عجلان” أمام المصباح ليترك ظله يقول ويؤدي ما يريد قوله .
كان يقترب من الضوء ويبتعد، لتكبر صورة الظل على البياض وتصغر، ويغيب ويحضر، ويرفع صوته ويخفضه، وينتقل من دور لآخر ليحكي قصة العشق البدوي التي كان يرويها المسلسل، ولم يكن يدرك حينها وهو ابن الثلاثة عشرة عاماً من عمره، أن موهبة مشتعلة داخله تحرك فيه ذاك الفعل وسيأتي يوم تصير هي جل حياته .
ما يفعله في البيت بات شاغله حتى صار يقوم به في المدرسة حيث أقرانه يتابعون باندهاش الحكاية التي ترويها ظلال الفتى النحيل سعيد سالم، فبات الظل منذ حينها صديقه وحليفه الذي يستدعيه كلما أضاء له المصباح، وبات التمثيل وتقليد الأشخاص هاجسه الذي يبرع فيه يوماً بعد يوم .
جاءت تلك الموهبة لتستغل حركته الزائدة وشقاوته التي عرفتها القرية قبل أهله، فيكاد أهل القرية يجزمون أنهم لم يروه ماشياً كما باقي الأطفال، أو جالساً في ظلال إحدى الأشجار، إذ لم تلمحه أعينهم إلا راكضاً أو متسلقاً جدران المنازل، أو قافزاً في الهواء بحركات بهلوانية، أو حتى مشتبكاً في شجار مع أحد فتية، حتى إن حركته الكثيرة وخفة جسده تلك جعلتاه أحد فريق الجمباز في المدرسة .
تلك الغرائبية في شخصية الفتى سعيد سالم بدأت منذ اللحظة التي ولد فيها، إذ لم يكن مكان ولادته في قرية أهله في أم القيوين، بل جاءت ولادته في اليوم السابع من تموز/ يوليو لعام 1971 في رأس الخيم في قرية خت، حيث كان أهله يقضون الصيف، ففي ذاك العام حمل الأب أمتعة الأسرة واتجه إلى هناك حيث عيون الماء وأشجار النخيل السامقة التي تحجب الشمس .
وكسائر حياته التي بدأت منذ ولادته، واصلت حياة سالم مغايرتها للسائد، إذ على غير العادة لم يأتِ تعليمه المدرسي في منطقة واحدة ومدرستين على الأكثر، بل تنّقل في تعليمه على عدد من المدارس، فدرس الابتدائية في أم القيوين، والإعدادية في عجمان، وأنهى المرحلة الثانوية في أبوظبي، ليلتحق بعدها بالمدرسة العسكرية، ويتخصص في الهندسة الإلكترونية .
أصبح سالم منذ تلك اللحظة- التحاقه بالمدرسة العسكرية- صلباً يحمل البندقية، ويفيق فجراً، ويرتدي البزة المكوية بعناية، لكن الموهبة ظلت تشده، فكان يواصل بين الحين والآخر الاشتغال عليها، ويدرب نفسه كلما سنحت له الفرصة، إلى أن انتقل من الحياة العسكرية إلى وزارة الثقافة والإعلام ليعيش الموهبة التي لم تغب عنه يوماً .
لم تأتِ الموهبة لدى سعيد سالم من فراغ، فقد ورثها أباً عن جد، فجده لأبيه كان المؤسس الأول لجمعية أم القيوين للفنون الشعبية، ومن بعده جاء والده ليكمل المشوار، حيث تابع السير على خطوات أبيه وظل يرعى الفنون الشعبية في أم القيوين، وشغل منصب رئيس الجمعية رغم أن لقمة العيش كانت تشده نحوها، وتدفعها لجلب الرزق لأولاده .
من جده وأبيه حمل سالم شعلة الفن، وأكمل ما أسس له جده، ليؤسس هو في ما بعد فرقة أم القيوين المسرحية، وينفذ في أواخر السبعينات أول عمل مسرحي للفرقة، ويشحذ منذ حينها موهبته بالتجربة والممارسة ليصير اليوم قامة من قامات المسرح الإماراتي، ونجماً يحل على الشاشة الصغيرة في أشهر المسلسلات الخليجية .
للعمل المسرحي الأول في حياة سالم حكايته، ففي أحد الأيام وهو ما زال فتياً متحمساً، جمع عددا من الشغوفين بالفن والتمثيل، وأسس معهم أول فريق مسرحي في أم القيوين، كان ذلك في العام 1977م، وراحوا يعدون أنفسهم لتقديم أولى مسرحياتهم ويتدربون لتكون فاتحة انطلاقتهم، وكان سالم على رأسهم، يجرب ويدرب ويقترح، لتكون أولى أعماله المسرحية بعنوان “الطماعون” التي جاءت من تأليف المخرج كريم المخزنجي .
اشتغل الفريق على المسرحية التي تدور حكايتها حول الشخصيات التي تستغل المسحوقين لتحقيق مصالحها الشخصية، وكان من المقرر أن تعرض في فصلين، إلا أنه وذات يوم بدأت البلدة تتحضر لزيارة المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، إذ انتهى العمل حينها من إنشاء المكتبة العامة ومصنع الأسمنت وتقرر افتتاحهما .
استعداداً لتلك الزيارة كلفت جمعية أم القيوين بتقديم عرض مسرحي، وكان فريق المسرح في تلك الأثناء لم ينتهِ بعد من مسرحيته الأولى “الطماعون” إذ انتهوا من الفصل الأول فقط، لكن الزيارة دفعت بهم إلى الخشبة من دون أن تكتمل، وكان العرض الأول أمام المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، وسالم يقطع الخشبة ذهاباً وإيابا في دور البطولة -الطماع .
انتهى العرض وقلوب فريق العمل خائفة، لكن الاستحسان بدا ظاهراً على الحضور، وعلى رأسهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي استدعى فريق المسرحية، وأثنى عليهم، وسألهم مداعباً عن بعض المشاهد في المسرحية .
تواصلت بعدها الأعمال لدى سالم، وعرضت مسرحيته “الطماعون” في إمارات الدولة جميعها، وحققت نجاحاً لافتاً دفع سالم ليكمل المشوار بهمة عالية .
من المسرح انتقل سالم للظهور في الأعمال التلفزيونية، فبعد أول مشهد له في مسلسل تلفزيوني، كان لا يتجاوز ظهوره فيه ثوانٍ معدودة، لعب فيه دور قاضٍ، فتحت أمامه عروض التمثيل في المسلسلات، فعرفته الناس على الشاشة باسم (عيد شاكر) في مسلسل “الحيالة”، واليوم بات في رصيده عشرات المسلسلات والمسرحيات، التي سيكون آخرها مسلسل كوميدي يعرض في رمضان المقبل .