الزناد الروسي والأصبع العربي ( خيري منصور )
الزناد الروسي والأصبع العربي
خيري منصور
* دار الخليج
للسّلاح الروسي مع العرب حكاية طويلة، لعلّ أطرف ما فيها ذلك الحوار الذي دار في الكرملين بعد حرب يونيو/ حزيران 1967 حين قال الراحل هواري بومدين لمضيفيه: لا مانع لدينا أن يكون السّلاح مصحوباً بمن يجيدون استخدامه، أو بعبارة أخرى لا بأس أن يكون الزناد مصحوباً بالأصبع الذي صنعه، كان ذلك تعقيباً من بومدين على عتاب روسي حول إساءة استخدام ذلك السلاح في الحرب .
ومنذ ذلك اليوم والسجال لم يهدأ حول تسليح العرب، على اختلاف مصادره، وإن كان أحد الساسة الروس، وهو سفير سابق في القاهرة الناصرية، قد قال يوماً إن سلاح الاتحاد السوفييتي استخدم في حروب عربية بينية، وحدد اليمن بشطريه نموذجاً، وثمة تعليق شهير لشاغال الذي كان مديراً لمعهد الاستشراق في موسكو حول هذه الدراما العسكرية، قال إن السلاح يبقى محايداً، فالإنسان يقاتل به إذا شاء لكنه ينتحر به أيضاً .
وتؤكد هذه المقولة قصة ذات صلة بالتسليح وقعت عام ،1954 حين عقد العراق الملكي يومئذ صفقة سلاح مع دولة أوروبية فأقامت “إسرائيل” الدنيا، رغم أن العراق يومئذ لم يكن قد قرر استخدام الصفقة ضدها، وحين سئل أحد الجنرالات في تل أبيب عن هذا الموقف، أجاب على الفور: إن ما يخشاه هو وقوع السلاح في يد تُغيّر اتجاه فوهاته، وهذا ما تفعله أمريكا الآن وبعض دول أوروبا عندما تتحفظ على تسليح المعارضة السورية بسلاح قاتل خشية وقوعه في أيدي أصوليين وراديكاليين .
لهذا تبدو مقارنة القوى بما تملك من أسلحة مقارنة ناقصة، لأن السلاح لا يعمل بمفرده وله بوصلات تحدد استخدامه وأهدافه، وأحياناً يتم إغفال بعد إنساني مهم في التسليح هو الإرادة، سواء تمثلت في ما يسمى العقيدة العسكرية أو الهدف الوطني . لهذا قال القدماء إن السيف لا طول له، لأنه يقصر أو يستطيل تبعاً للقبضة التي تتحكم به وخطوات حامله إذا تقدّم أو أحجم .
وغالباً ما تذكر التجربة الفيتنامية في سياق كهذا، حيث اللاتكافؤ في التسليح قد يتغير تبعاً للإرادة والشعور بالاستحقاق أو عدالة القضية التي يدور الصراع حولها .
وقد مرّ وقت لم تصمد فيه جداول الأرقام حول هذه الجعبة أو تلك من السلاح، وهذا ما يقال أيضاً عن التاريخ الذي لا يتوقف عند الوقائع فقط، بل يتضمن شحنة وجدانية تقارب الشعر، كما يقول “إيمري نيف”، سواء كانت هذه الشحنة في الحماس والاندفاع المفرط، أو في الدفاع المبرّر عن الذات .
بالطبع لا تصمد هذه المقاربات حول التسليح أمام ما ينتجه التسلح النووي من توازن رعب . فالتكافؤ في القوة سبب تقليدي وقابل للتكرار لحروب باردة، تماماً كما حدث بين القطبين موسكو وواشنطن لعدة عقود .
وقد يكون توازن الرعب سبباً وجيهاً لاستدراك حرب كونية، كما حدث في خليج الخنازير في كوبا في مطلع الستينات من القرن الماضي .
السلاح بمختلف أنواعه ليس مجرد أرقام تتساقط من حاسوب، لأن اختباره الواقعي هو الميدان ولحظة استخدامه، وليس التلويح به .
رد: الزناد الروسي والأصبع العربي ( خيري منصور )