رسائل شاعر منتحر
* الإمارات اليوم
http://im34.gulfup.com/95C5F.jpg
في رسائل بعث بها الشاعر الراحل، خليل حاوي، من كمبريدج في بريطانيا حيث كان يدرس لنيل الدكتوراه، تبدو سمات من شخصية الشاعر وافكاره، وفيها الإيمان ببلاده، والمراوحة بين اليأس والأمل مع أرجحية للأمل على اليأس.
وقد كتب خليل حاوي، الذي انتحر عام 1982 عند دخول الإسرائيليين الى لبنان، الرسائل الى تلميذته نازلي حمادة ونشرت «دار نلسن» هذه الرسائل في كتاب جاء في 87 صفحة متوسطة القطع، ونشرت صور الرسائل في الكتاب.
تعود معرفة نازلي حمادة بالشاعر الى سنة 1956، وكانت تلميذته في الجامعة الأميركية في بيروت. قالت حمادة «درسني (حاوي) مع مجموعة من الشابات والشبان،، عرفته كأستاذ ثم اصبح صديقاً عزيزاً ونبيلاً. في ذلك الوقت كنت احاول ان أكتب شعراً بسيطاً فشجعني على ذلك، وأرشدني الى الأفضل، واستمرت صداقتي معه حتى سنة 1970 وبعدها شغلتني ظروف خاصة ومشكلات الحياة ثم فواجع الحرب في لبنان فانقطعت اللقاءات. بعد السنة الدراسية 1956 سافر الى كمبريدج لإعداد الدكتوراه، وكنت اكتب له رسائل لأطلعه على ما يجري في لبنان، استمرت لقاءاتي معه بعد ان عاد من كمبريدج»، وكانا يلتقيان في بعض المقاهي وفي بيت نازلي حمادة مع الأهل والأصدقاء.
وأضافت حمادة «خليل حاوي كما عرفته انسان رائع بكل معنى الكلمة، مزاجي بامتياز، واثق بنفسه، ناقد لاذع ينفعل للخطأ، ويدافع عن الحق. انه قمة الشعور وذروة الإحساس والعطاء، شعره عميق، ويحتاج الى قارئ مثقف ومطلع ليفهمه ويقدره».
في الرسالة الأولى يشدد حاوي على التزام الحق والصواب رغم كل ما يجري، وكانت الأحوال في لبنان متوترة ومضطربة في الفترة التي سبقت الاقتتال الداخلي سنة 1958، التي شهدت انقساماً وحرباً داخلية في البلاد.
وهنا يقول حاوي «كم كنت بحاجة الى رسالة مثل رسالتك تدل على ان في لبنان نفوساً طيبة كريمة تستطيع ان تعاني المأساة دون ان تثور فيها عاطفة الحقد والمرارة، ودون ان تغفل في حال الإشفاق على الضحايا عن وجه الحق والصواب، وهذا ما يزيد فجيعة المأساة».
ويتحدث عن ايمانه بالجيل الجديد، وامله في وجود قوة في نفوس الناس تقف في وجه المأساة والانحدار. ويقول «فأنت تعلمين وانا اعلم ان هناك عقيدة رحبة جبارة تندفع اليوم لتحقيق ذاتها، ولن يقف في وجهها تعصب ضيق، وهناك تلك الضحايا البريئة التي تذهب كل يوم في شوارع بيروت، والتي يقضي عليها عامل الصدفة السيئة، والطالع المنكود يقتل الأبرياء في الغالب، ويسلم الذين يجب ان يكونوا اول من يكون في عداد القتلى، ليسلم المسالمون ويسلم لبنان وتسلم العقيدة الجبارة منتصرة تطل ونطل بها على العالم اقوياء اعزاء جديرين بالحياة وبمكان كريم بين الأمم الحرة الكريمة». ويتحدث عن الإصلاح الداخلي، وعن الحياد الإيجابي خارجياً. ويقول «ومما يعزي بعض التعزية اننا اصبحنا هنا نتحدث الى الأجانب حديث الواثق من عظمة مصيره وهو مصير امته التي تنتهج اليوم سياسة التقدم والإصلاح في الداخل، وسياسة الحياد الإيجابي على المسرح العالمي، وربما استطاعت بذلك ان تقدم للعالم حلاً واقعياً صحيحاً للقضاء على التوتر بين الشرق والغرب»
ويردد خليل حاوي كلمته اللازمة الدائمة عن التضحية في سبيل الأجيال المقبلة فيقول «والحق انه قد افجعني قولك مراراً: لا تعد الى لبنان، وكيف لي ان لا اعود وانا من الذين وقفوا النفس ووطنوا النية على التضحية في سبيل الأجيال المقبلة، وقد تعجبين اذا علمت ان هناك من كان ينتظر عودتي ليصطادني فأذهب كما ذهب جميع الأبرياء ضحية لا مجدية، ضحية منسية». وكأنه يقول هنا انه يريد ان تكون تضحيته، اذا حدثت، ذات وقع ودوي، لا ان يموت مجاناً.
وتحدث عن ألمه بسبب لا مبالاة الأجانب بآلام بلاده، وعن الحياة بين قوم «لا تهمهم مأساتنا، ولا يهمهم ان يتحدثوا عنها، ومن هنا كانت المأساة في نفسي مضاعفة معاناة المأساة والصمت عليها».
وفي الرسالة الرابعة المؤرخة في 25 فبراير 1958 يتحدث عن سعيه الدائم الى التجدد. وقال «اكفروا بي وبشعري ساعة تجدون انني تخلفت، وان صلتكم بي قد اصبحت قيداً لكم. وغايتي أن اتجدد دائماً، بالطبع لا اعني بذلك التصابي فأنا اعترف اني ودعت الصبى او بالأحرى هو الذي ودعني، وانما تلك البراءة الحلوة التي يمكن ان يحتفظ بها الإنسان جنة صغيرة في داخله رغم التهدم والهرم في الخارج».
ويستشهد بقصيدة «اغاني البراءة والتجربة» للشاعر وليام بليك، وفيها يقول ان الإنسان لا بد له من ان يطرد من الجنة وان يخسر براءة الطفولة «غير انه من الممكن ان يعود اليها اذا استعاد وصال البراءة الأولى، وعندها يغدو منيعاً قوياً بعد ان عرف الشر وتغلب عليه. وعندها يغدو كل ما في الإنسان طاهراً، حواسه وجسده، وحتى اللذات الحسية، تغدو بريئة صافية لأنها قد تعرت من الشعور بالإثم والخطيئة».
واضاف «ومن هنا كان ما أعنيه بالبراءة لا يقتضي ما تقتضيه نواهي الكنيسة وزواجرها من تقشف ويبوس ونفاق وطلب مغفرة».
وقال في الرسالة الخامسة، بتاريخ السادس من نوفمبر 1958«يطغى عليّ حنين مرعب الى العودة. حنين الى بيت كل ما فيه يخصني وعلى ذوقي والى جيران واصدقاء وصديقات بالمعنى الصحيح. غير اني لست ادري الى اي حد سوف تكون الخيبة نصيبي ولا بأس فإن لي من الشجاعة والاختبار ما يجعلني قادراً على البناء من جديد».
