-
من اليأس إلى الأمل
أشارك بتجربة تعرضنا لها زوجي وأنا، وكانت تجربة قاسية عليَّ أكثر مما كان وقعها على زوجي. أكرمني الله بزوج عطوف وطموح، كنا شابين في مقتبل العمر حين وثق الشرع علاقتنا بتوفيق الله. مكث زوجي معنا بضع سنوات وحضر ولادة طفلينا الأولين قبل أن يقرر استكمال دراساته في الولايات المتحدة الأمريكية وينال على إثرها درجتي الماجستير ثم الدكتوراه.
كان قرار السفر لفترة طويلة ولبلد بعيد صعبا جدا عليه لكونه قد تعلق بالولدين وهما كذلك، فكان من الصعوبة بمكان أن يتنزع نفسه بشكل مفاجئ، ويتركهما يكبران بعيدا عن عينيه، لكنها الحياة. سنوات الدراسة كانت طويلة لكنه كان يحث الخطى ويختزل الزمن والوقت على أمل أن يتم دراسته قبل موعدها المحدد، ويعود إلينا ليلتم شملنا ويستمتع بمناداة أولاده.. بابا التي تعطشت مسامعه إليها.
ومضت سنوات الدراسة، وحان موعد القطاف وما كاد يوشك على مناقشة رسالة الدكتوراة التي لم يتبق عليها سوى أيام تعد على أصابع اليد الواحدة حتى حدثت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ليكون زوجي أحد ضحاياها، فيعود بعد عشر سنوات الغربة قبل مناقشة الرسالة ويخرج بلا شهادته الأخيرة غير نادم، نعم لم يحزن طالما أعاده الله إلينا سالما وقرّت عيناه بمرأى أولاده.
وقد أصبحوا خمسة، ثلاثة منهم ولدوا وهو غائب، وبدؤوا أولى خطواتهم ثم المشي وهو غائب، ونطقوا أولى كلماتهم المبهجة وهو غائب، لكن ذلك كله يهون عندما يرى ابتسامة الفرحة بعودته وبقائه معنا تتواتر على الشفاه وترتسم على الوجوه. قبل عودته غير المحسوبة كان كثيرا ما يبثني لوعته بسبب بعده عن الأولاد وانه لم يكتف من مرآهم، فكنت أواسيه وأشد من عزمه بالصبر، وأهون عليه البعد والحرمان كلما ألحت عليه مشاعر الشوق إليهم، أقوم بذلك بينما أنا اشد منه حسرة لكني في صف تحصيله وتحسين مستواه العلمي فهو أبو أولادي.
ذات يوم كنا في رحلة استجمام وسياحة إلى تايلاند، وكنا سمعنا عن تقنية الفحص المتطورة في مشافيها، ففكر زوجي بعمل فحص شامل علما أنه لا يشكو من سوء ولله الحمد. ولم نتردد، ومن فورنا حجزنا موعدا في احد أشهر مستشفيات بانكوك.
وجاءت الصدمة حيث أظهر الفحص أن الخلايا السرطانية لديه كثيفة، وأن هناك كتلة دموية داخلية مشبوهة. كانت تلك الطامة الكبرى، خرجنا بعد الفحص لا نرى شيئا ولا يمكننا استيعاب الموقف، وما بيننا وبين النتيجة سوى ساعات لا تزيد عن يومين لكنها كانت ساعات من الويل والشقاء والهلع. هل يمكن أن يكون مريضا بهذا الداء وهو لا يزال في مقتبل العمر؟!
خرجنا وهو يهذي بأولاده مرددا.. لم أشبع منهم، كنت بأمس الحاجة لمن يسندني ويعيد إلى توازني ووعي بينما أطالب نفسي بالصمود، وبان أبدو متماسكة لكي لا ينهار، لكني كنت من ينهار، وكنت قد أمسكت بمفاتيح السيارة، ومن هول المأساة أخذت افتح سيارة ليست لنا، فقد كنت قد فقدت تركيزي تماما.
يومان احتفظ بالمحنة في صدري حتى تظهر النتيجة النهائية، ويعلم الله كم كانت الشدة، فقد فاقت معاناة الغربة والنتيجة العقيمة لها.
مضى يومان لا نحسد عليهما قبل أن تزول العتمة، وتأتي النتيجة بالسلب. فقد كان الطبيب قد شرح لنا وقتها ان الكتلة الدموية ستوضع تحت مادة كيميائية فان تغيرت للسواد فهو المحظور، وإن ظلت على لونها فهو الاطمئنان، وقد ظلت على لونها ولله الحمد. إنها تجربة لا أتمناها لأحد مطلقا.
-
رد: من اليأس إلى الأمل
[align=center]
[glow1=66ff99]
الله المستعان والله يوفقة وينوله
الذي يتمناه والعلم بحر والبركة
في الأولاد لها هي بعد - وراء
كل رجل عظيم إمرأة وشكرا على القصة
[/glow1]
[/align]
-
رد: من اليأس إلى الأمل