أحمد فؤاد نجم "الفاجومي" يكتب قصيدة الوداع
أحمد فؤاد نجم "الفاجومي" يكتب قصيدة الوداع
عن عمر يناهز الرابعة والثمانين عاماً رحل أمس، الشاعر أحمد فؤاد نجم، الذي يعد حالة استثنائية في شعر العامية المصرية بما يملك من لغة شعرية اقتربت من نبض الجماهير، وعبرت بتلقائية عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر خلال الستين عاماً الماضية .
وشيعت من مسجد الحسين في القاهرة، أمس، جنازة نجم وسط حشد شعبي من أهل المنطقة وبحضور ابنتيه نوارة وزينب، وطافت الجنازة شوارع حيّ الحسين بعد خروجها من المسجد بناء على وصيته حتى وصلت شارع "حوش قدم" الذي يوجد به المنزل الذي عاش فيه نجم لسنوات طويلة .
شارك في الجنازة عدد كبير من المثقفين والسياسيين منهم د . رفعت السعيد ود . محمد أبو الغار وحسين عبد الرازق، وأحمد بهاء الدين شعبان، وزين العابدين فؤاد، وخالد يوسف، وماجد يوسف ومحمد هاشم، وإبراهيم عبد المجيد، ومكاوي سعيد .
وأكد المثقفون أن رحيل نجم يعد خسارة كبرى بما يمثله من قيمة فنية وشعرية وقال مكاوي سعيد: إنه كان هناك إجماع على دور نجم الوطني من مختلف الأجيال، كما كان الراحل يتبنى المواهب ويحاول تقديمها بأشكال مختلفة .
وأشار الشاعر زين العابدين فؤاد إلى تجربة الثنائي نجم والشيخ إمام باعتبارهما النموذج الأبرز للغناء الثوري في الخمسين عاماً الماضية، مؤكداً أنها كانت بداية حقيقية لموجة من هذا النوع من الغناء، أمثال عدلي فخري، وأحمد إسماعيل، ومحمد عزت، وقد اقترب هؤلاء الفنانون من الجماهير مثلما حدث مع نجم وإمام .
وقال الشاعر ماجد يوسف: أظن أن أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام لعبا دوراً شديد الأهمية في المرحلة الناصرية، وهي مرحلة شديدة الوطنية، ورغم ما كان يعتور التجربة من قصور فقد كان نجم وإمام صوت الشعب وصوت مصر .
ولد نجم في ثلاثينات القرن الماضي في محافظة الشرقية في كفر أبو نجم، وقد توفى والداه، وهو لم يزل طفلاً صغيراً، فتربى في أحد الملاجئ في مدينة الزقازيق، وكان يرافقه فيه المطرب الراحل عبد الحليم حافظ .
جاء نجم إلى القاهرة في بداية الخمسينات من القرن الماضي ليتفاعل مع الحياة الثقافية، بموهبة شعرية متدفقة، بدأ ينشر قصائده الحماسية المعبرة عن تطلعات الجماهير السياسية والاجتماعية، لكن لغته الحادة الصادمة والكاشفة والمغايرة عرضته للاعتقال أكثر من مرة، وفي المعتقل كتب نجم أشهر قصائده السياسية ومنها "بهية"، التي كتبها في معتقل القناطر عام 1969 .
اشتهر نجم بأنه شاعر سياسي من الدرجة الأولى، رغم أنه كتب قصائد عديدة في مجالات أخرى، وقد زاد من شهرته تكوينه لثنائي فني مع الملحن الراحل الشيخ إمام عيسى، حيث قدم الاثنان تجربة فريدة في الغناء الثوري، وكان نجم يكتب، ويلقي الأشعار، بينما الشيخ إمام يلحن ويغني، وقدّما أعمالهما على أكبر المسارح العالمية في باريس وموسكو ومدريد وغيرها، إضافة إلى البلاد العربية .
وفي السبعينات وقف نجم في وجه سياسة الانفتاح التي دعا إليها الرئيس الراحل أنور السادات، ما عرضه للاعتقال لمرات متعددة، وحين خرجت مظاهرات الطلبة تنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية، وفي تلك الأثناء كتب قصيدته الشهيرة التي غناها الشيخ إمام "رجعوا التلامذة" التي يقول فيها:
"رجعوا التلامذة/ يا عم حمزة/ للجد تاني/ يا مصر إنتي اللي باقية وإنتي/ قطف الأماني/ لا كورة نفعت ولا أونطة/ ولا المناقشة وجدل بيزنطة/ ولا الصحافة والصحفجية/ شاغلين شبابنا عن القضية/ قيموا لنا صهبة/ يا صهبجية/ ودوقونا طعم الأغاني/ رجعوا التلامذة للجد تاني" .
عاش نجم حياة ممتدة من الشعر والمغامرة، لم ينتظم في عمل معين فأحب حياة الصعلكة، لم يرد إلا أن يكون شاعراً فقط، فعاش، رغم شهرته الشعرية، في بيت فقير جداً، في أعلى سطوح أحد المنازل في منطقة حوش قدّم في حيّ الحسين، وهو المسكن نفسه الذي تعرف فيه على صديقه الشيخ إمام في نهاية الستينات، هذا المسن الذي زاره كبار المثقفين والساسة من مصر والوطن العربي .
نجم رغم تلقائيته الشديدة، إلا أن كثيراً من أشعاره حملت طابعاً فلسفياً عميقاً، وهي فلسفة نابعة من روافد حضارية إنسانية مصرية شديدة الخصوصية، لقد عاش الشاعر الراحل رفيقاً للشعر وعاش الشعر رفيقاً له حتى الرمق الأخير .
دخول نجم السجن، في سن مبكرة، وتكرر ذلك، لم يكن إلا نتيجة حالة وعي فطرية من لدنه، تجاه الناس المغلوب على أمرهم، من أبناء بلده، فقد اعتقل في عهد الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر، وأنور السادات الذي وصفه ب "البذاءة"، نظراً لجرأته، ومواقفه أثناء التطبيع مع "إسرائيل"، وكان له دور كبير في تأجيج الشارع في انتفاضة 1979 التي سماها السادات "انتفاضة الحرامية" . ولعل سجنه الأول الذي استغرق ثلاث سنوات، كان بمثابة مدرسة حقيقية له، فقد تبلور خلاله وعيه الثوري، بل وقد التقى فيه بالشيوعيين الذين زج بهم في السجن، وكتب هناك أولى قصائده التي جمعها في ديوانه الأول "صور من الحياة والسجن" وكتبت مقدمته سهير القلماوي، وحصل من خلاله على جائزة المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون، وقد قال عنه لويس أراغون: "إن فيه قوة تسقط الأسوار"، وراح د . علي الراعي يسميه ب"الشاعر البندقية" .
إذا كان أحمد فؤاد نجم، قد وقف منذ فترة حكم الإنجليز في مواجهة آلة الظلم والاستبداد، فلم يرضخ، ولم يستسلم، ولم تلن له قناة في ذلك، فإن ذلك لناجم من أمرين، أحدهما نبوءة الشاعر، وثانيهما المرجعية الرؤيوية التي ينطلق منها، ما يجعله وهو يعاني من أتون اللحظة حالماً باللحظة التالية، انطلاقاً من الفهم العالي لحركة التاريخ . فقد أشار إلى القمع في مختلف المراحل، من حياة بلده، وهو الشاهد على أحرج لحظاته، فكان أن انخرط مع شباب ميدان التحرير في ثورة الأيام الثمانية عشر في العام ،2011 ينشد قصائده، التي أحدثت دويها، فيرددها الشباب الذي كان يسارع كما الأجيال التي سبقته على استظهارها، لما فيها من جرأة من مقاربة هموم إنسانه المصري، بل والعربي، بل ولما فيها من جمالية، وعذوبة، وسلاسة، وبساطة، وإبداع .
ومادام الشاعر صاحب النبوءة الكبيرة، هذه النبوءة التي تكللت بالنجاح، في ثورة إلا أنه سرعان ما أعلن عن خيبته لاسيما وأنه وجد أن الأهداف التي انطلق منها شباب الثورة، سرعان ما باتت تنسى، ويتم الالتفاف عليها، بعد مرحلة استلام الرئيس محمد مرسي مقاليد الحكم، ما جعله يصرح، وبصوت عال "إن الإخوان لم يسرقوا الثورة، بل سرقوا البلد"، وقال وهو في أحد الملتقيات التضامنية في العاصمة الأردنية عمان، مع الشعب الفلسطيني: "إنه في انتظار الثورة الثالثة، وإن العام المقبل ،2014 سيكون عام خلاص المصريين"، وهو ما يجعلنا نتأكد أن نبوءة الشاعر لم تفارقه البتة .
وصايا نجم
قدّم الشاعر أحمد فؤاد نجم ما يشبه وصايا على هامش أمسيته الشعرية الأخيرة مساء الجمعة الماضي في العاصمة الأردنية عمان بمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني . قال "سفير الفقراء" وهو يضع "الكوفية" الفلسطينية على كتفه: حلمي أن أرى الأراضي المحتلة وقد تحررت، أما مصر فهي ماضية في طريق الخلاص و"استنشاق" هواء الحرية شاء من شاء وأبى من أبى .
وأضاف نجم موجهاً خطابه إلى أهله في القاهرة وسائر محافظات بلاده وربما الوطن العربي: لا تصمتوا بعد الآن أمام الظالم والمستبد، ولا تقبلوا التنازل عن حقوقكم الأصيلة وارفعوا صوتكم بلا خوف، فقد نزع الشباب كل أقنعة الكبار، ونحن نتعلم من هذا الجيل .
شاعر العامية البارز الذي طلب عباءة ثقيلة للتدفئة في تلك الأمسية الوداعية أصر على تكرار مقطع من قصيدته "شيّد قصورك" وجاء فيها "دقت ساعتنا وابتدينا . . نسلك طريق مالهوش راجع . . والنصر قرب من عنينا . النصر أقرب من أيدينا" .